مقال عن نفسي‎

بواسطة: - آخر تحديث: الخميس , 18 مايو 2017 - 11:21
مقال عن نفسي‎

علّمت نفسي

بقلم :ياسر سعيد حارب

قد تكون خبرتي في الحياة بسيطة، إلا أنني تعلمت من تجاربها الكثير. فليس المهم أن يكون رأس المرء أبيض لكي يتحدث عن تجاربه، ولكن الأهم أن يحمل المرء شغفاً للتعلم وحباً للتجربة، وكلما مررت مع أحد بتجربة مريرة سواء في سفر أو عمل أو غير ذلك أقول له: «هنيئاً لك، لقد وجدت قصة ترويها لأحفادك يوماً ما».

تعلّمت من الحياة الشيء الكثير، وعلّمت نفسي من تجارب الحياة أشياء جميلة، فلقد علّمت نفسي الإصرار وحب المستحيل، وأقمت حلفا مع المستقبل ليكون نصب عيني بخيره وشره، وألا أتذمر أو أهرب منه، بشرط، أن يعدني هو بألا يخذلني إذا ما أوفيت بعهودي… وأحسنت الظن بالله تعالى وتوكلت عليه، وكانت تلك البداية.

علّمت نفسي أن أقول «نعم» عندما أشعر بالحاجة للرفض، ودرّبتها على قول «لا» عندما تكون المغريات كثيرة. فكما قال دايل كارنيجي: «إذا أردت أن تعيش سعيداً فلتكن قادراً على قول (لا) مثلما أنت قادر على قول (نعم)».

علّمت نفسي أن أقود سيارتي في الزحام كل صباح وفي كل مساء دون أن أستخدم بوقها المزعج، ودرّبت نفسي على أن أستمتع بكل دقيقة في الزحام الذي يمنحني وقتاً لصفاء الذهن واسترجاع ما فاتني من ذكريات جميلة. علّمني الزحام أن أصل أهلي وأصدقائي عبر الهاتف، واكتشفت بأن أحبائي الذين حالت زحمة الحياة بيني وبينهم لا يطلبون أكثر من ذلك.

علّمت نفسي أنه عندما أصل إلى بيتي عائداً من عملي أجلس دقيقة قبل أن أترجّل من السيارة، وعندما أضع ناقل السرعة في وضع الوقوف فإنني أضع معه كل هموم العمل وإشكالاته، لأدخل على أسرتي كزوج لطيف وكأب حنون، فأسرتي تحبني لأنني جزء منها وليس لوظيفتي أو راتبي، وكلما نظرت في أعين أطفالي أجدهم يقولون لي إنهم لا يلقون بالاً إلى عملي طالما أنني أعود إليهم كل يوم.

علّمت نفسي أن أقبل ببعض الفوضى في حياتي، لأن الحياة دون قليل من الفوضى تصبح كمن يحاول أن يضع جميع حبات الأرز في القدر بطريقة منظمة ومصفوفة إلى جانب بعضها البعض، وذلك على الرغم من أنه يعلم بأن لذة الرز تكمن في قلبه رأساً على عقب. علّمت نفسي أن أنحني للريح القوية احتراماً، وأن أكون مرناً مع تقلبات الحياة حتى لا أنكسر، لأن الانكسار من شيم الخاسرين.

علّمت نفسي على قبول جميع أنواع الطعام، طالما كان ضمن المسموح به، وتعلّمت ألا آكل حين يجوع الناس وألا أجوع عندما يشبعون. أرتني الحياة أناساً يجلدون أنفسهم ويحبون التهلكة ليقال عنهم أبطالاً.

البطولة هي أن تقوم بشيء لا تريد القيام به، ولكنك تعلم أنك تفعل ذلك لأنه لا أحد غيرك يستطيع القيام به. ليس المناضل من رفع سيفاً وقاتل جيشاً لوحده، وليس الشهيد من مات دون فائدة حتى وإن كان من أجل قضية، فالمنفعة أهم من الهدف، والهدف دون خطة يبقى حلماً.

علّمت نفسي على ألا أقلق، فأنا في كل ظروف الحياة أمام خيارين، الأول أن تكون لدي مشكلة ويمكنني حلّها، فلماذا أقلق؟ والخيار الثاني هو أن تكون لدي مشكلة ليس لها حل، والقلق لن يغير شيئاً، فلماذا أقلق؟

علّمتني الحياة أن نصيب الإنسان هو أجمل أدبيّات الحياة، فكلما أهمّني أمر من أمور أحد أبنائي أقول لزوجتي: «نصيبه هكذا» وكلما أخفقنا في تحقيق شيء ما أقول لها: «نصيبنا هكذا». ما أجملها من كلمة،

وما أعمقه من معنى، فبعد كل المحاولات لا يوجد هناك شيء اسمه فشل، ولكنه النصيب. ليس الفشل أن نخفق في تحقيق أهدافنا، ولكن الفشل هو ألا نحاول الوصول إلى الهدف. عندما أخفق أكون سعيداً لأنني كلما أخفقت كلّما اقتربت من النجاح، وما النجاح غير مجموع محاولات فاشلة؟

علّمت نفسي أن أعطي كلما سنحت لي الفرصة وكلّما استطعت، وأن أعطي أي شيء تجود به نفسي، حتى دموعي أعطيها أحياناً للآخرين… قد لا تنفعهم ولكنها ستنفعني بالتأكيد. وعلّمتني الحياة أنه كلما أعطيت أكثر كلّما كسبت أكثر، كم هي جميلة هذه المعادلة.

علّمت نفسي أن أحب نفسي وأن أحترمها قبل كل شيء، وقبل كل شخص أيضاً، ففاقد الشيء لا يعطيه. ودربت نفسي أن أعيش بين الكل عندما أكون وحيداً، وأن أكون وحيداً عندما أكون مع الكل.

علّمت نفسي ألا أسلّم الراية إلا لمن هو أصلح مني وإن كان عدوي… على ألا تكون راية بيضاء، وعلّمت نفسي أن العيش في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله، وأن إحقاق الحق ليس بالضرورة أن يكون في مواجهة الباطل. وعلّمت نفسي أيضاً أن الحق المطلق ليس من خصائص البشر ولا يصلح أن يتحلّوا به، فهو لله وحده، لأنه هو فقط من يستطيع أن يسيطر على كل شيء مطلق.

هناك مثل انجليزي يقول: «نولد باكين، ونعيش متذمرين، ونموت غير راضين» فلماذا لا نبدأ الحياة اليوم لنعيش ونموت ونحن راضون؟ الحياة لن تتوقف، ولكن لابد لها من نهاية. أما الإنسان فإنه يتوقّف وينتهي. الفرق بين الإنسان والحياة، أن الأخيرة لا تعرف متى نهايتها، أما الإنسان فإن نهايته تكون عندما يتوقف عن الحياة.

اقرأ:




مشاهدة 30