مقال عن ضبط النفس‎

بواسطة: - آخر تحديث: الأربعاء , 17 مايو 2017 - 22:09
مقال عن ضبط النفس‎

مقدمة

أيها السادة، إن سعادة الأمة تتوقَّف على ثلاثة أركان: المال، والرجال، والأخلاق، لا يختلف أحد في أن عاملًا من هذه الثلاثة لو نقص ضعُفت الأمة، وهوى بها الضعفُ إلى حضيض الذِّلة والمسكنة، ثم إلى هُوَّة الفناء والاضمحلال.

غير أن نظرةً واحدة إلى أحوال الأمم وأسباب رقيِّها الحقيقي، تجعلنا نحكم – غير جائرين – أن الأخلاق هي الركن الأسمى من بين هذه الأركان الثلاثة؛ فهي التي إن لم تهيمن على الرجال، وتسيِّرهم على قانونها، كانوا بلاءً على الأمة كبيرًا، وشرًّا مستطيرًا، وهي التي إن لم تُمسِكْ بزمام المال، فتتخير لإنفاقه أحسن وجوهه، ولتثميره[1] أقربَ طرقه، كان عامل إفساد، وأداةَ دمار وخراب، وكم من أمةٍ ضعيفة يُعوِزها[2] المالُ والرجال، نهضت بأخلاقها، وزاحمت غيرَها بتربيتها، وكوَّنت من الأخلاق رجالًا يذبُّون عن حِياضها، وأنشأت من الأخلاق مالًا يقوِّي بأسها ويُعلي من شأنها؛ فلئن اشتدَّت حاجتها إلى المال والرجال، لهي إلى الأخلاق العالية، والتربية الفاضلة أشد.

ولست أريد بالأخلاق ما ندرسه في المعاهد، وما نتلقاه في المدارس؛ وإنما أريد الأخلاق العملية، التي يهدينا إليها رجالٌ راضوا أنفسهم عليها، وأُشربت قلوبهم حبَّها، واستمرأت نفوسهم مرارتَها، ومرنت جوارحهم على اتباعها.

أما القوانين العلمية والقواعد النظرية، فليست تُجدينا شيئًا ما دمنا ذوي نفوس ضعيفة عن الأخذ بها والسير على نهجها، بل ربما كانت وبالًا علينا.

وإذا كانت حاجتُنا إلى الأخلاق بهذه الشدة، فما أشدَّ احتياجَنا إلى فضيلةٍ منها، تكاد تكون عنوانها البارز، وعَلَمها الخفَّاق، ومظهرها الحقيقي، تلك هي – فيما أرى – فضيلة العفَّة كما يسميها القدماء، أو فضيلة ضبط النفس كما يسميها المحدَثون.

وهي كما – قال ابن مسكويه – فضيلة الحس الشهواني، وظهورها في الإنسان، بصرف شهواته على مقتضى الرأي الناضج والتمييز الصحيح؛ حتى لا يكون لها عبدًا، وقد خلقه الله حرًّا.

أو كما قال المحدَثون: ضبط النفس: منعُها من الاتصاف بالصفات القبيحة، والاستسلامِ للشهوات، وارتكاب ما لا يليق من الأعمال.

قالوا: وهي ضرورية، لا من الوجهة الكمالية فحسب، بل من الوجهة الجسمية والعقلية والخلقية أيضًا؛ ذلك أن الإنسان لا ينمو في أي ناحية من النواحي المستحسَنة إلا إذا ضبط نفسه ومنعها من الاسترسال في النواحي المستهجَنة، وهذا معروف من طريق المشاهدة، فالذي يعطي جسمه كلَّ ما يرغب، ويطيع شهوة بطنه مثلًا في كل ما تحب، يقود نفسه إلى الهلاك، كما أن الذي يجري وراء خياله وأوهامه، ويعصي داعي العقل والحكمة، يجني على قواه العقلية ويهدم من كيانها، كذلك مَن استرسل في الدنايا، ولم تكن له نفس أبيَّةٌ تحميه من المنكرات، وتكون حصنًا من الشرور والسيئات، فإنه لا بد خاسرٌ خُلقَه، مضيعٌ فِطرتَه، قاضٍ على نفسه، وذلك هو الخسران المبين.


أيها السادة

استبان لكم من هذه النبذة اليسيرة أن الأخلاق عمادُ الأمة، وركن حضارتها، ورمز سعادتها، وأن العفة – أو ضبط النفس – فضيلةٌ تكاد تكون جماع الفضائل، وملاك المكارم، فلا يبعد أن تكون العفة في المرء عنوان خُلقه الركين، ونفسه الكبيرة، وروحه العالي، غير أن العفة نفسها لها مظاهر تتجلى فيها، ودلائل تُرشد إليها، وقد انتخبنا من بين هذه المظاهر مظهرينِ سلبيين؛ هما غض البصر، والكف عن الغيبة، آثرناهما لشيوعِهما في الناس على اختلاف طبقاتهم، ولأنهما مرضانِ من أمراض الأمة المزمنة المعضلة، ولأننا لو نجحنا في علاجهما كنا في علاج غيرهما أنجحَ.

اقرأ:




مشاهدة 28