ما هو الدم ؟‎

بواسطة: - آخر تحديث: الإثنين , 31 أكتوبر 2016 - 10:57
ما هو الدم  ؟‎

الدم

بعد إختراع المجهر تبين للعلماء أن الدم لا يشكل جدول الحياة فحسب بل يمثل كذلك مسرحا للعديد من الصراعات الغريبة ثمة وميض أحمر ينفذ عبر المجهر أنه شعاع الليزر الذي سيخترق احدى الكريات الحمراء مباشرة بعد ذلك تتقدم مجموعة من الكريات البيضاء وتحيط بالكرية الحمراء الجريحة وفي بضع ثواني تكون قد أجهزت عليها فكما لو أن الامر يتعلق بذباب ترتمي على إحدى الطرائد وكل هذا لايمكنه مشاهدته الى بواسطة المجهر لقد تمت البرهنة بهذه الكيفية على أن الخلية التي شاخت أو التي تعاني من إصابة ما تقوم بإفراز مادة خاصة لإجتذاب الكريات البيضاء وإثر ذلك تبادر هذه الأخيرة في القضاء عليها وهذه من الظواهر التي تمكن الجسم من الحفاظ على استقرار عدد الكريات الحمراء

حيث نجد أن الدم يحتوي على عدد ثابت من الكريات الحمراء يبلغ 25000 مليار كرية بمعدل خمسة ملايين كرية في المليمتر المكعب وفي كل يوم تتكون لدى الإنسان العادي 200 مليار كرية حمراء لتموت بعد حوالي مائة وعشرون يوما وهي تتكون في النخاع العظمي انطلاقا من خلايا أصلية يفوق عددها عدد ساكنة الكرة الأرضية مئة مرة ويتم هذا التوالد بمعدل مليونين ونصف من الكريات الحمراء في الثانية

فإذا ما نحن قمنا بوزن تلك التي ينتجها الإنسان خلال حياته كاملة كان وزنها معادلا لنصف طن والكرية الحمراء عبارة عن قرص بوجهين مقعرين يساوي طول قطره سبعة أجزاء من ألف من الميلمتر بمعنى أن ترصيص 1250 كرية الواحدة منها تلو الأخرى مباشرة لا يشغل سوى سنتمتر واحد ولذلك لم يتم اكتشافها إلا في القرن السابع عشر مع اختراع أول مجهر بصري

دور الكريات الحمراء

يمكن مقارنة الكريات الحمراء بزواريق مخصصة لنقل حمولات من الأكسجين تارة وحمولات من أوكسيد الكاربون تارة أخرى فحاجيات الانسان الراشد من الأكسجين تبلغ حوالي 600 لتر في اليوم ويتم نفاذ الأكسجين الى داخل الرئتين خلال عملية الشهيق بينما يتم التخلص من أوكسيد الكاربون خلال عملية الزفير ويسمى طور التبادل الغازي هذا بتقنية الدم وبطبيعة الحال فإن الأكسجين الذي تنقله الكريات الحمراء الى الرئتين والهيموغلوبين الذي تحتوي عليه الكريات الحمراء هو الذي يقوم بتثبيت الغازات بفضل الحديد الذي يمكث في جزيء الهيموغلوبين خلال كل الفترة التي تستغرقها حياة الكرية الحراء وعندما تدمر هذه الأخيرة يحرر الحديد ويدمج في جزيئات الفريتين التي يتم توزيعها على خلايا نخاع العظام المنتجة لكريات حمراء جديدة

يمكن أن يكون النقص في كتلة الكريات الحمراء أو ما يسمى بفقر الدم ناتجا عن عدة أسباب ويعتبر النزيف أكثر هذه الأسباب بداهة سواء أتعلق الأمر بنزيف حاد كما هو الشأن بالنسبة للنزيف الناتج عن جرح شرياني أم نزيف خفيف يتكرر لعدة مرات كما هو الشأن بالنسبة للبواسير وقد ينتج فقر الدم عن نقص في إنتاج النخاع العظمي أو عن إفراط في إنحلال الكريات الحمراء كما هو الشأن بالنسبة لمرض مينكوفسكي- شوفار الذي ينجم عن خلل وراثي يصيب أغشية الكريات الحراء مما يؤدي الى تزايد في تدميرها على مستوى الطحال ويمكن أن يكون فقر الدم ناتجا أيضا عن نقص بعض العناصر الضرورية لإنتاج الكريات الحمراء كالنقص في الحديد أو في الفيتامينات وقد أصبح علاج فقر الدم الذي كان مرضا وبيلا في الماضي أمرا ميسورا في أيامنا هذه

الكريات البيضاء

يبلغ عدد الكريات البيضاء حوالي 7000 كرية في الملمتر الكعب من الدم أي ما يعادل 35 مليار كرية في دم الشخص الراشد وخلافا للكريات الحمراء تتوفر كريات الدم البيضاء على نواة أما الدور المنوط بهذه الكريات فهو يتمثل في الدفاع عن الجسم وفي التصدي لكافة الأجسام والمواد الغريبة إن هذه الكريات إذن شبيهة بسفن حربية تتنقل عبر الدم مستعدة للتدخل في أية لحظة

وتتمثل خاصية الكريات البيضاء الأكثر إثارة في حركيتها فهي تتنقل بواسطة امتدادات تسمى بالأرجل الزائفة وهكذا تتمكن هذه الكريات البيضاء من قطع حوال ملمتر واحد في الدقيقة وتزداد حركيتها كلما اقتربت درجة الحرارة المكتنفة من 40 درجة مئوية ويميز العلماء بين ثلاثة أنواع من الكريات البضاء يقوم كل واحد منها بدور مختلف

  • متعددة النوى وهي الاكثر عددا وتعتمد هذه الكريات على إوالية الابتلاع الخلوي فهي تتصدى للكائنات الدقيقة كالجراثيم وتبتلعها ثم تهضمها بفضل مصانع أنزيمية حقيقية توجد في حبيباتها وفي حالة الاستنفار يقوم النخاع الذي يصنعها بتكثيف إنتاجه الذي يبلغ عشرة أضعاف الانتاج العادي
  • الخلايا الأحادية وهي أكبر الكريات البيضاء ينتجها النسيج الشبكي البطاني الموجود في الطحال بكيفية خاصة وتكمن وظيفتها في القضاء على الجزيئات الغريبة كما أنها تتصدى للأنسجة الميتة وكذلك للكريات الحمراء والبيضاء التي أصابها البلى
  • الخلايا اللمفاوية تنتجها العقد اللمفاوية والطحال والأنسجة شبه اللمفاوية التي تدخل في تركيب القناة الهضمية كاللوزتين والزائدة الدودية وهي تلعب دورا أساسيا في ردود الفعل المتعلقة بالمناعة سواء منها ردود الفعل الخلوية أو الخلطية ويتحولها الى خلايا بلازمية تصبح قادرة على إفراز مواد كيماوية تسمى بالاجسام المضادة وهي قادرة على إبطال مفعول أي جسم غريب

إن اللوكيميا مرض خبيث يتميز بالتكاتر الشديد لكريات الدم البيضاء ولذلك سمي هذا المرض بأبيضاض الدم وينجم هذا التكاثر المهول للكريات البيضاء عن إصابة ورمية خبيثة للأنسجة اللمفاوية أو النخاعية وسواء أكانت حادة أم مزمنة فإن خطورة اللوكيميا تؤرق الباحثين والاطباء في الوقت الراهن ويسعى هؤلاء الى تحديد أسباب اللوكيميا مثلما يسعون الى إيجاد علاج فعال لهذا المرض الخبيث وقد تحقق بالفعل تطور محمود في هذا المجال كما يدل على ذلك مثلا مرض هودجكين الذي أصبح قابلا للعلاج إذا ما تم تشخيصه في وقت مبكر

الصفيحات ودورها في الإرقاء

يحتوي الدم على نوع ثالت من المكونات هو الصفيحات المسماة أيضا بالرقيقات الدموية وهي عبارة عن عناصر مستديرة بدون نواة يترواح قطرها ما بين ميكرونين وثلاثة ميكرونات ويصل عددها الى حوالي 3000000 في الميلمتر المكعب الواحد من الدم وتنتج هذه العناصر عن تجزئ خلايا عملاقة تتشكل في النخاع العظمي ولا تتجاوز مدة بقائها ثلاثة أيام وللصفيحات خاصية القدرة على الالتحام فيما بينها والالتصاق بجدران الأوعية الدموية الأمر الذي يجعل منها عناصر فعالة في وقف النزيف بيد أن الصفيحات لا تستطيع التصدي بفعالية سوى للنزيف البسيط الناجم عن حرج بإحدى الشعيرات الدموية مثلا أما إذا تعلق الأمر بإصابة أحد الشرينات أو الوريدات فإن هناك نظاما آخر من الآنظمة الدفاعية للجسم سوف يتدخل على الفور وهو نظام التخثر أو التجلط الدموي

وللصفيحات دور مساعد في هذا التجلط الدموي فهي تقوم بعد التحامها على مستوى الجرح فإفراز بعض المواد التي تساعد على تحويل البروترومبين وإثر ذلك يقوم هذا الأخير بتحويل المولد الليفي الذائب في الدم الى شبكة ليفية متراصة تحبس الكريات الحمراء بداخلها وهكذا تتكون الجلطة الدموية التي توقف النزيف ويطلق اسم الإرقاء على مجموع هذه الظواهر التي تتصدى لانساب الدم من الأوعية

ومعروف أيضا أن مؤشر التخثر يرتفع بشكل دوري لدى المرأة ليمكنها من رأب الأنسجة الداخلية للرحم والجسفرون واحد من الهرمونات التي تنظم الدورة الشهرية للمرأة هو الذي يتحكم في هذه الظاهرة مما يجعل من تناول الأقراص المانعة للحمل أمرا محظورا بالنسبة للنساء اللاتي سبق وأن عانين من التهاب وريدي داخلي وعلى العكس من كافة أشكال الخثار توجد أمراض تتميز بغياب القدرة على تخثر الدم كما هو الشأن بالنسبة للهيموفيليا وهو مرض وراثي ينجم عن عدم انعدام العامل الذي ساهم في تحويل البروترومبين الى ترومبين وتنشأ عن هذا المرض حالات نزيف جلدي أو مفصلي أو حشوي شديد الخطورة وهي حالات تتطلب علاجا سريعا عن طريق حقن الغلوبيلينات المضادة للهيموفيليا

تحاقن الدم

إن فكرة تحاقن الدم قديمة للغاية ففي سنة 1494 تم فصد ثلاثة شبان حتى الموت لإنقاذ البابا لمنه توفي مع ذلك وخلال القرن السابع عشر كان نقل دم حيوان الى انسان مريض أو جريح أمرا شائعا وهي ممارسة كانت تؤدي الى الوفاة وقد تم منعها سنة 1668 بمقتضى قرار ملكي وفي القرن العشرين تم نقل الدم من شخص الى آخر بدون أخطار مع اكتشاف الفصائل الدموية

إن الكريات الحمراء مزودة بالفعل بجزيء ذي خاصية تتمثل في القدرة على التلاحم بواسطة مواد تسمى بالراصات وقد اكتشف صنفين نت هذه الجزيئات A و B وينتمي كل فرد بالضرورة الى واحدة من أربع فصائل دموية مختلفة حسبفئة الكريات الحمراء التي يتوفر عليها فئة A فئة B فئة AB التي تضم الفئتين السابقتين معا أو فئة O التي لا تضم أيا منهما

وبما أن الكريات الحمراء من فئة O لا تتوفر على تلك المادة المولدة للرصاص والتلاحم فإنه يكون بالإمكان نقلها الى أي كائن بشري ويسمى من يتوفر على هذه الفصيلة من الدم واهبا شموليا أما الشخص الذي يتوفر على دم من فئة AB والذي لا توجد في دمه راصات مضادة ل A أو مضاد B من شأنها التأثير سلبا على كرياته الحمراء في حالة ما إذا نقل إليه دم شخص آخر فيسمى ( متلقيا شموليا ) لكن هناك أنظمة أخرى بالإضافة الى نظام ABO ففي سنة 1940 اكتشف لاندشتاينز عنصرا جديدا يمكن من التمييز بين الكريات الحمراء ذات الريزوس السلبي وقد تبين أن عامل ريزوس هذا هو الذي تسبب في الحوادث التي وقعت أثناء عمليات محاقنة أنجزت بين أشخاص ينتمون الى نفس المجموعة ABO كما أنه المسؤول عن انحلال الدم الذي يصيب بعض الرضع حين تكون الأم وطفلها منتمين لفصلتي ريزوس مختلفين

لقد اكشف العلماء في أيامنا هذه أزيد من ثلاثين صنفا دمويا مختلفا وهو ما يمكن  حاليا من تحقيق التوافق التام أثناء العمليات الخاصة بتحاقن الدم ويتم تخزين الدم الذي يتبرع به أشخاص متطوعون بأبناك الدم في ثلاجات بدرجة حرارية تساوي + 4 حيث يكون بالامكان استعماله في بحر خمسة عشر الى عشرين يوما كحد أقصى بعد تاريخ الأخذ

وينقل الدم الكامل للمرضى الذين تعرضوا لنزيف حاد أو متكرر أما في حالات الأنيميا فإن المريض لا يكون محتاجا الى حقن دم بجميع مكوناته بل إن ذلك قد يشكل خطرا عليه ومن هنا نبعث فكرة تجزيء الدم الى عدة مكونات مختلفة وتجدر الاشارة الى إمكانية تجزيء الدم بواسطة النبكزة التي تفصل بين العناصر المختلفة ثم يتم بعد ذلك تجفيفها وتحويلها الى مسحوق بهدف الاحتفاظ بها لمدة طويلة

وهكذا تبين أن الدم ليس وسطا مغذيا يحيط بأنسجتنا وحسب بل هو وسيلة دفاعية يتوفر عليها الجسم لمواجهة النزيف ومختلف الإعفانات بالاعتماد على كرياته البيضاء وأجسامه المضادة وعوامله المهيأة للتخثر لذلك يعتبر التبرع بالدم بكيفية إدارية وتطوعية أمرا محبذا بالنسبة الى كل فرد يتمتع بصحة جيدة وذلك مرة واحدة في السنة على الأقل.

اقرأ:




مشاهدة 120