قصص عن جدتي‎

بواسطة: - آخر تحديث: الثلاثاء , 20 يونيو 2017 - 22:32

إلى جدتي

To my beloved grandmother

 

كلما ذهبتُ إلى جَدَّتي في بيتها العتيق ليلاً تهشُّ في وجهي، وتُمطرُني بالقُبُلات في كلِّ أنحاء جسمي، فكان همُّها أن تضمَّني في حَجْرها، وتقبِّلني أينَما صادفها التقبيلُ؛ فجدتي لم تُبصِرْ منذ زمن بعيد، كان النورُ يَشعُّ من وجهها حينما أنظر إليها، فهي تتعدَّى الثمانين من عمرها، ولم أتجاوز الثامنةَ من عمري، وكنتُ شَغوفًا بها، ومُشفقًا عليها، كان هناك سرٌّ عميق من الحب محفورٌ في أعماق نفسي وقلبي تجاهها!

 

سألتُ نفسي مرارًا: لماذا أحبُّ جدتي ملءَ قلبي؟

الحقيقة كنت شغوفًا جدًّا بسماع قصص جدتي، كانت تغلِّفُها بشيء من الفكاهة، وتقلِّد الأصوات، كانت تقول: (افتح يا ولد باب المغارة…)! كنت حينما أسمعُها وهي تقول تلك الجملة ومَثيلاتها، أحسُّ بأن المتكلِّم ماردٌ جبَّار، وليست جدتي العجوزَ الواهنة، والتي تُشبِهُ العُرجونَ القديم حينما تقفُ.

 

لحظاتٍ وأسمعها كأنما هي (سندرلا) البحر، بصوتها الرقيق الناعم، حينما تقول: (نم يا صغيري)، (توته توته خلصت الحدوته) فأضحكُ، وتضحكُ حتى تظهر نواجذُنا!

 

كانت كلما قصَّت عليَّ قصةً تسألني: ماذا استفدتَ منها؟

فإذا لم أُجبْها، أو كانت إجاباتي خاطئة، ذكرَت ذلك لأبي، وادَّعت قائلة له بأن ابنك غبيٌّ، لا يفهم من الدروس شيئًا!

 

كانت قصصُها عن السيرة النبوية وعن التراث العربي، حفظتُ كثيرًا من الأشعار، وعرَفت من خلالها شجاعةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه الكرام، كما عرفتُ الغزوات.

 

كانت جَدتي موسوعةً كدائرة المعارف البريطانيَّة، لم تترك شاردةً أو واردة إلا عرَفَتها بحبٍّ وتمجيد وتمعُّنٍ، سألَتني مرةً: مَن هو صلاح الدين الأيوبي؟

 

تلعثَمْتُ، فقالت: أليس هو مَن حرَّر الأقصى من أيادي اليهود؟!

تعجبتُ لجدتي، وحسبتها مدرِّسة تاريخ الصف، أو هي سفيرة فوق العادة…

 

سألتها:

♦ مَن علَّمكِ هذا يا جدتي، وأنت لا تُبصرين، ولم تذهبي للمدرسة؟!

♦ يا بني، هذا هو التاريخ، ومَن لم يعرف تاريخَه لم يعرف أصلَه!

 

جدتي فيلسوفة، ولم أدرِ!

قلت: زيديني يا جدتي.

قالت: نَمْ، ويكفيك الليلة، وسأحكي لك قصةً جميلة غدًا.

رُحْتُ في سُبات كما راحت جدتي في سُبات عميق أيضًا، ركبتُ حِصاني الخشبي، واتَّجهت إلى بيت المقدِس شاهرًا سيفي في وجوه الأعداء الصليبيِّين، ودارت بيني وبينهم معركةٌ أطحتُ فيها رؤوسَهم جميعًا بسيفي، متذكِّرًا ما قالتْه لي جدتي عن شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، وعنترةَ العبسي قديمًا.

 

دخلت المسجد الأقصى بعدما ربطتُ حصاني الخشبي في رَدْهته، وصلَّيْتُ الفجر، واستيقظتُ من النوم مبكِّرًا كعادتي التي عودتني عليها جدتي، وجدتُ جدتي تغطُّ في نوم عميق، ممددةَ الأطراف تمامًا، حاولتُ إيقاظها، ولكن دون جدوى، ناديتها مرارًا وتَكرارًا فلم تجبني، حزنت حزنًا شديدًا! قلت:

♦ إن ما صنعتُه يا جدتي هو الواجب، فلا بد أن نحمي مقدساتنا، ألم تعلِّميني ذلك؟!

 

اتصلتُ بأبي قائلاً:

♦ أبي، إن جدتي لا تكلِّمني، ولم تستيقظ بعدُ!

 

نظر عماد في ساعته، فهي تشيرُ السابعة والنصف صباحًا، قائلاً:

♦ كيف لم تستيقظ أمي بعدُ؟

 

دخل متسائلاً:

♦ أمي، خالد، أين جدَّتُك؟!

♦ ربما كانت جدتي بالأمس في المسجد الأقصى…

♦ المسجد الأقصى! كيف؟! و…!

♦ لأنني كنتُ هناك، وقتلتُ كلَّ من كان هناك.

♦ خالد، خالد، منذ متى نامَتْ جدتُك؟!

♦ عندما نمتُ، وذهبت إلى الأقصى.

 

بكى عماد بعدما قلَّب أمَّه يمينًا ويسارًا، عندها أدرك خالدٌ بأن جدته قد ماتت!

 

ظل خالدٌ يومًا وأسبوعًا وشهرًا لم يرَ جدَّته، ازداد حزنًا شديدًا! اعتزل الناس، حتى إخوانه وزملاءه في المدرسة، تساءل:

♦ أين أنت يا جدتي؟ اشتقتُ إلى حضنك الدافئ، وقصصِك الجميلة الرائعة؟!

 

رآه زميله سعيد يومًا وهو منطوٍ يبكي في فناء المدرسة، قال له:

♦ لماذا تجلس بعيدًا عنا يا خالد؟ ولِمَ لا تشاركنا اللعب؟

 

فقص عليه القصة، كان سعيد يأكل (ساندوش)، فقسمه إلى نصفين، أعطى خالدًا نصفَه، وواساه، قائلاً له:

♦ يا خالد، هذه هي سُنة الحياة؛ خلقنا الله لنعبدَه سبحانه، ونعمِّر الكون، وإذا طلبَنا فإننا نلبِّيه سبحانه، يا خالد، ألا تعلم أن جدتَك الآن في الجنة وهي تتنعَّم في الفردوس؛ فقد كانت تحفظُ القرآن، وتصلِّي الفجر وجميع الصلوات، وتزكِّي من أموالها، وكلُّ الناس يحبونها؟!

 

♦ حقًّا يا سعيد جدتي في الجنة؟!

نعم، علينا أن نقرأ لروحها الفاتحةَ، ونترحَّم عليها؛ لتحبَّنا.

 

عندها تفتَّحت أساريرُ خالد، وسُرَّ بكلام صديقه، وفرح بأن جدته في الجنة مُنعَّمة، وهي تفرح حينما أُهدِي إليها الفاتحة والدعاء.

أخَذا في الجري والعَدْوِ في فناء المدرسة، وأكلا، وشربا.. هيهات فقد دقَّ جرس نهاية الفسحة..

 

اتَّجها إلى مقعدَيهما في الصف، دخل مدرس اللغة العربية قائلاً:

♦ السلام عليكم يا أبناء.

والتفَتَ إلى السبورة وكتب عليها موضوع درس اليوم: (تعبير تحريري حر).

 

♦ أيها التلاميذ، على كلِّ تلميذ أن يكتب موضوعًا تعبيريًّا، وله الحرية في اختيار الموضوع الذي سيكتبُ فيه، ولسوف نستمِعُ لما كتبتموه نهاية الحصة.

 

جاء دور خالد في قراءة موضوعه، فقام وقرأ:

♦ إن الموضوع الذي كتبت عنه تحت عنوان: (رسالة إلى جدتي).

 

وصف جدَّتَه، وعدَّد أفضالها الطيبة، وكيف كانت تحبُّه، وتَروي له قصصًا وحكايات جميلة من السيرة النبوية، وبطولات وغيرَها، وذكر بأنها في الجنة، وأنه مشتاقٌ لرؤيتها!

 

التف التلاميذ حولَه يسمعون له بإمعان، وينظرُ بعضُهم إلى بعض، كما كان المعلم مُطرِقًا رأسَه، وقد دمعت عيناه، تذكر أمَّه التي توفِّيت منذ عام!

 

لقد بدأ خالد الموضوع بمقدمة استهلالية رائعة، ثم تناول الموضوع بتسلسل جيد، وأنهاه بنهاية رائعة، ختمه بقول الله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23].

 

عندها صفَّق المعلم وجميعُ التلاميذ، ولم يتوقفوا عن التصفيق إلا مع قرع جرس نهاية اليوم الدراسي!

اقرأ:




مشاهدة 4