قصة عن وحدة الملبس‎

بواسطة: - آخر تحديث: الثلاثاء , 20 يونيو 2017 - 21:21

يحكى ان رجلا وزوجته كانا يعيشان في بيت صغير مع طفليهما وكان الاب يعمل حمالا اما الام فتخيط الثياب لبعض الناس وتشتري بثمنها ما يحتاجونه وكانت النقود التي يكسبها الاب تعينهم بالكاد على متطلبات الحياة اقترب العيد ولم يكن مع الوالدين ما يشتريان به لطفليهما ملابس جديدة وحزن الوالدان لحزن طفليهما وفكرت الام وفكرت الى ان وجدت حلا فقد كان لديها ستائر من القماش القديم فبادرت بقصها وخياطتها وصنعت منها ثوبا لابنتها وسروالا وسترة لابنها ولما جاء العيد ارتدى الطفلان ملابسهما
وكانا سعيدين جدا بملابسهما لأنها من صنع امهما ولانها بدت جميلة ومختلفة عما يرتديه الاطفال وفعلا احب كل اطفال الشارع ثياب الطفلين ورغبوا ان يكون لهم مثلها اما الطفلان فكانا فخورين وفرحين بعمل امهما وإبداعها


كان الجو باردا..

حين غرفت أمي الماء من البرميل لتحضير الشاي ، إصطدم الإناء بطبقة من الجليد ، فقالت لي :

ـ إنك لا تستطيع الذهاب إلى المدرسة بما عليك من ملابس ، إنتظر ريثما أعطيك المعطف والحذاء الجديدين .

أخرجت من قاع صندوق الملابس معطفا نسائيا ، داكن اللون ، وحذاء طويل العنق، قالت : ـ

لقد اشتريت هذه الأشياء من بائع جوال جاء بالأمس، إنها جديدة كما ترى .

وضعتني أمي في المعطف الضخم وأخذت تحكم إغلاق الأزرار بحيث لا ينفذ الهواء إلى صدري. ـ

أمي ، إن له رائحة كريهة ! .

ـ إستدر لأرى إنه ممتاز، خذ الحذاء .

سرعان ما هوت قدمي الصغيرة في جوف الحذاء الذي بلغ ركبتي .

ـ إنني لا أستطيع المشي بهذا الحذاء الكبير .

ـ إنه خير من الصندل على كل حال، هيا إربط الرباط .

ـ لكنه مثقوب .

ـ إنه ممتاز . لقد اشتريته بثلاثين قرشا ، هيا أرني كيف تبدو الآن .

ضحكت أمي حين رأتني أمشي في الغرفة وأنا أكاد أقع. لكنها تداركت الأمر قائلة :

ـ لا بأس يا حبيبي ، فالبرد لا يرحم ، ولكن حافظ على المعطف نظيفا ، فإذا أمطرت السماء تمسك بطرف المعطف كي لا يتلطخ بالطين .

في الطريق إلى المدرسة ،أمطرت السماء وصفع المطر وجهي . كنت أجد صعوبة في الحركة . فالمعطف يجر على الأرض والحذاء يتطلب جهدا إضافيا في كل خطوة. حاولت أن أرفع طرف المعطف عن الأرض كما أوصتني أمي. فسقطت حقيبة الكتب في بركة ماء صغيرة. كان المطر يهطل غزيرا، والهواء القوي يندفع بالاتجاه المعاكس لي. كنت لا أستطيع النظر أمامي ، لقد تسرب الماء عبر ياقة المعطف إلى ظهري. فشعرت ببرودة شديدة ولكني لم أكترث. فقد كنت أفكر : ماذا لو رآني التلاميذ على هيئتي هذه ؟ سأكون أضحوكة بلا شك ، إنه لا يجوز أن نرتدي ملابس النساء.

خطر لي أن أرجع إلى البيت . كان مجرد خاطر .خطر لي أن أتخلص من المعطف والحذاء نهائيا . كان مجرد خاطر أيضا. توصلت إلى قرار نهائي : أضع المعطف والحذاء في مكان هنا واذهب إلى المدرسة دونهما. نظرت حولي : لم يكن ثمة أحد . حفرت تحت صخرة معلومة وأخفيت المعطف والحذاء. وشعرت بارتياح كما لو تخلصت من حمل ثقيل . مشيت في الماء حافيا . لا بأس ، كثيرون هم الأولاد الذين يذهبون للمدرسة حفاة. إنه أمر لا يجلب العار لأحد. ركضت بأقصى سرعتي شاعرا بحيويتي المعتادة.

كنا حوالي سبعين تلميذا في غرفة صغيرة. النوافذ بلا زجاج ، الهواء يزمر في الغرفة . التلاميذ يتراصون طلبا للدفء. الأستاذ يقرأ في كتاب الإنجليزي ذلك الدرس المتعلق بزيارة سمير وسلمى إلى لندن.

تأخر أستاذ الحصة الثانية عن القدوم . كانت أقدام الحفاة منا قد أوشكت على التجمد . جاء مدير المدرسة وقال لنا :

ـ ستخرجون بانتظام لمقابلة اللجنة في الإدارة.

لجنة؟ ما الذي تريده اللجنة منا ؟ شعرنا بالخوف الشديد وأخذنا نتساءل إن كان أحدنا قد فعل شيئا يستوجب قدوم هذه اللجنة. وحفظا للنظام أخرجونا واحدا واحدا.

كنا ننتظر أن يعلو صراخ أول الذاهبين على اعتبار أنه يتعرض للضرب المبرح . فوجئنا حين عاد التلميذ تحت أبطه حذاء جديدا. أخبرنا ذلك التلميذ أن اللجنة مؤلفة من ثلاثة رجال وجبل كبير من الأحذية الجديدة. لم نصدق بالطبع. عاد التلميذ الثاني وقد حصل هو الآخر على حذاء.

وعمت الفوضى واخذ التلاميذ يتقافزون فرحا .

جاء دوري. هرولت بأقصى سرعة إلى الإدارة. وجدت نفسي أمام جبل من الأحذية بالفعل. أحد الرجال سألني

ـ كم نمرة رجلك ؟.

ـ ها؟؟؟؟؟

سألني بضيق

ـ كم نمرة رجلك ؟.

لم أكن أعرف أن للرجل نمرة. لكنني سمعت مرة أحد أقربائنا قد أوصى أخاه المسافر إلى السعودية بأن يجلب له حذاء نمرة 42 فقلت من فوري :

ـ نمرة رجلي 42.

أعطاني الرجل حذاء . عدت إلى الصف فخورا لأنني عرفت الإجابة الصحيحة . كان التلاميذ قد انتعلوا أحذيتهم الجديدة وقد أخذوا يدقون الأرض بها جربت الحذاء ، لكن قدمي الصغيرة غاصت فيه حتى آخرها . حاولت ثانية ، فتبين لي أنه أكبر بكثير من ذلك الحذاء النسائي ، كدت انفجر من الغيظ ، فكرت أن أرجع للجنة لكنني خشيت أن يصادروا الحذاء. كان التلاميذ مشغولين بأحذيتهم فلم ينتبهوا لمصيبتي. دفنت رأسي بين يدي وبكيت .

في طريق العودة ، لم أشأ أن انتعل الحذاء خوفا من سخرية التلاميذ . حاولت أن أبدو فرحا مثلهم . كانت السماء تمطر، فسألني أحدهم: ـ

أيها المجنون، كيف تمشي حافيا وقد صار لديك حذاء . أجبته :

ـ سأحتفظ به للعيد القادم .

أطرق قليلا ، فكأنما راقت له الفكرة ثم مضى.

إختلطت دموعي بالمطر ، لم أعد أكترث بالهواء المندفع في وجهي ، ولا بالماء الذي بلل ملابسي . ذهبت إلى الصخرة التي أخفيت تحتها المعطف والحذاء النسائيين ، إرتديت المعطف وانتعلت الحذاء ، وخوفا من لوم أمي إن هي عرفت خيبتي . أخفيت الحذاء الجديد تحت الصخرة.

قلت في نفسي :

– سأعود إليه عندما أكبر.

أعجبتني الفكرة . فابتسمت وقد زال حزني..

اقرأ:




مشاهدة 22