قصة عن لقاء لا ينسى‎

بواسطة: - آخر تحديث: الثلاثاء , 20 يونيو 2017 - 17:05

في قرية صغيرة..بين أحضان الجبال الشاهقة تعرفت إليه..كنت أصطاف مع أسرتي في تلك القرية الجميلة حينما رأيته لأول مره..كان شابا وسيما وسامة تبهر الأعين وتلفت إليه الأنظار..تقدم لأبي عارضا المساعده بعد أن تعطلت بنا السيارة في طريق جبلي وعر, تحف به الخضرة من كل جانب.. ترجلنا جميعا من السيارة لياول ذلك الشاب الشهم إصلاحها.. رمقته بطرف عيني بإعجاب متزايد, فقد جمع بالإضافه لوسامته وشبابه مهارة في الأعمال اليدويه يندر وجودها.. كان لاينظر نحونا أبدا وأبي منهمك معه في إصلاح السيارة,,
التفت لأرى جمعنا قد تفرق,,ذهبت أمي وشقيقتاي الصغيرتان ليداعبا صغار القردة التي تنتشر حولنا في كل مكان, بينما أنشغل شقيقاي الصغيران في بجمع بعض الأعشاب والحشائش,, نظرت إلى الهوة العميقة التي تقع أسفل الجبل, أحسست بدوار وإعياء شديدين يلف كل أعضاء جسدي, صرخت مرغمة..التفت الجميع حولي..أبلغت أمي بصوت خافت بأنني لا أستطيع الوقوف وأشعر بغثيان شديد ودوار..
دست أمي في فمي قطعة حلوى, سرى مذاقها الرائع في كياني بقوة,,لكنني لم أتحسن, أخبرت أمي بذلك بصوت متداع..
همست أمي لأبي بكلمات لم أستطع سماعها وأن لم تفتني نظراتهما القلقة,,
تناقش أبي وذلك الشاب الوسيم لفترة من الوقت وبعد ذلك جاءني أبي هاتفا في حنان..
– ستذهبين الآن ياندى إلى المستشفى مع هذا الشاب,تسارعت نبضات قلبي, لا أدري مرضا أم فرحا..وهتفت مرغمة..
– وحدي؟؟!
أجابني برقة..
– بالطبع لا.. فقد أستقر رأينا على أن أبقى أنا بجوار أمك وشقيقاتك والسيارة المعطلة وتذهبين أنتي مع شقيقيك وهذا الرجل الشهم.. ثم أردف بعد هنيهة صمت..
– لاتخشي شيئا ياندى أنه شاب أصيل وأبن عائلة, وقد كشفت لي المصادفة أنه يمت بصلة قرابة لأحد أصدقائي في مدينتنا..
أحسست بالدوار مرة أخرى يقعدني عن القيام..اسندتني أمي الى ذراعها وأجلستني في سيارة ذلك الشاب الذي عرفت اسمه من مناداة ابي له (عبدالله)
همست لي أمي. – لا تنسي أخبري الطبيبة بكل شي اعلميها بأن لديك مرض السكر في الدم وانك تتعاطين حقن يومية..
أوشكت عالبكاء وأنا أجيب أمي بـ(نعم).. أتخذ الشاب مقعده خلف المقود وإلى جواره أصطف شقيقاي الصغيران اللذان لا يتعدى أكبرهما الثامنة من العمر.. وانطلقنا بسرعه لم أعهدها في أبي وصور الشجيرات الصغيرة والجبال الشاهقة تتابع في نظري بصورة لم تمكنني من رؤيتها على الوجه الصحيح..
سألني الشاب بصوت كأنه خرير المياه..
– هل أنتي بخير؟
أجبت بصوت خافت وقلبي يهتف بجنون:
– نعم..
قال أخي الصغير: أتركها لا تسألها شيئا إنها دائما مريضة ومزعجة وفي البيت تضربنا دائما وتطردنا من حجرتها..
ضحك الشاب طويلا وأنا أشعر بقلبي يغوص داخلي وغضبي يشتعل من أخي الصغير الذي لايفهم شيئا..
قال أخي الذي يكبره قليلا: أتصدق أنها ضربتني ذات يوم لأنني سكبت على شعرها الصابون.. أن شعرها طويل جدا ومزعج..
واستمر الشاب الوسيم يضحك.. وددت لو أحطم أضراسه, هنا لم أستطع السيطره على مشاعري وصرخت غاضبة..
– اصمتا أيها الأحمقان وإلا أخبرت والدي..ثم أن هذه ليست نكت لتضحك منها أيها الشاب.. المفروض ألا تشجعهما على قلة الأدب..
تجمدت الإبتسامه على شفتيه وتمتم بكلمة “آسف” أشفقت عليه وعلى ملامحه الوادعه من كلماتي السامة ولكنني لم أتراجع..
بعد فترة من الصمت سألته بقلق..
– ألا يزال المستشفى بعيدا؟
قال بهدوء.. – خلال ربع ساعه سنصل إنشاء الله..
لكنني لم أستطع التماسك أكثر وأغمي علي وأنا في السيارة.. افقت وأنا في المستشفى وحولي الطبيب والممرضات والشاب الوسيم وفي كل ذراع من ذراعي إبرة مغذية, ووجهي مكشوف وشعري ينساب على جوانب السرير بدون غطاء أو حجاب..صدرت مني آهة فزع على الرغم مني. اقترب الطبيب مني باسما وهو يقول..
– هل افقت؟ ..الحمدلله..هل تشعرين الآن بأنك أحسن ؟
لقد كان شقيقك ذكيا فأخبرنا بما تعانين ..
تلعثمت بالإجابة وأنا غارقة في حيائي فهذا الشاب قد رآني مرأى العين ولم تخف عليه أي خافية لم أستطع التفوه بكلمة لشدة الخجل..
قال الطبيب.. – الفضل لله ثم لهذا الشاب لقد حملك على ذراعيه فترة طويلة حينما لم يجد موقفا لسيارته..
اندفعت الدماء إلى وجهي وأنا أشعر بحرارتها اللاهبة ولم أستطع أن ارفع عيني بعد ذلك في العيون المتطلعه لي.. غادر الجميع بعد ذلك الحجرة بعد أن قال الطبيب..- أطمئني ستغادرين المستشفى قريبا حالما ينتهي هذا المغذي..
اقترب مني الشاب الوسيم قائلا باستحياء,,
– اعذريني لم أستطع أمام حالتك إلا أن أعمل مافي وسعي لإنقاذك..
وحينما لم ابتسامة الخجل على وجهي تابع المرح..
– وقد كنتي خفيفة للغايه ككيس من القش..
وحينما خرج الجميع تنهدت براحة كبيرة, ولكن شيئا ما بقي عالقا في أعماقي ربما نظرات هذا الشاب ..بريق عينيه وهو ينظر لي بإعجاب.. أنا لا أنكر جمالي الباهر ولكن ياترى هل أعجبته؟ وهل عرف من الطبيب قصة مرضي؟ ترى أكانت نظراته تعبر عن حنان ورقة أم شفقة مرة..؟
خرجنا من المستشفى لنعود للمكان الذ تركنا فيه أهلي فوق الجبل..
كنا أقل مرحا وأكثر صمتا وقد توطن شيء ما في القلوب الصغيره.. لم نعد كما كنا من قبل ابدا أنشغل شقيقاي في الحديث مع بعضهما عن معالم الطريق.. انتهز هو الفرصة ووضع شريط كاسيت وانسابت أغنية حالمة..من حنجرة إحدى المطربات “أنت يللي بحبه انا ..رد علي وقول” تقوقعت في مقعدي وانا ارتجف بعنف.. قال بصوت رقيق..
– مارأيك في هذه الأغنية؟
ثم سأل بنعومه : ألا تناسبك؟
غرقت في الصمت وانفعالات شتى تجوب كياني وتحلق بي في عوالم فاتنه لم يطرقها سوانا, أصبحت السماء أكثر زرقة والطبيعه أشد اخضرارا والبلابل تغرد في كل مكان.. ثم انسابت الاغنية التالية وقعا وأكثر تأثيرا من الآف الكلمات “أحبك ليه أنا مدري.. ليه أهواك أنا مدري..”
طفرت عيناي دموعا لم أدري لأي سبب كانت .. أهي حب.. أم خوف..ام استحالت اشفاقا مما هو ات؟
ومضى الوقت بسرعه غريبة وانا غائبة عن كل ماحولي في دنيا أخرى وعالم آخر لم أعرفه من قبل قد سمعت كثيرا عن الحب من أحاديث صديقاتي ومغامراتهن لكنني لم أتصوره بهذا الطعم الحلو اللاذع الذي يمتزج فيه كل شي بأي شي..تمتزج فيه المرارة بالحلاوه بالخوف بالفرح بالدموع..رباه ماهذه المشاعر العاصفة التي تمور داخل نفسي الحائرة وتعبث بقلبي وبنبضاته التي باتت غير منتظمه..
أيقظني صوته الدافيء وهو ينادي بأسمي.. ازدادت نبضات قلبي حتى خلته سيقفز من مكانه سألني برقة..- أيمكن ..أقصد أن نلتقي بعد ذلك؟!!
وفي لحظات استبد بي غضب مفاجيء ماذا يظنني هذا المعتوه؟ لعبة بيديه يلهو بها ثم يحطمها. أو فتاة من من اولئك اللاهيات العابثات اللائي لا هم لهن سوى التنقل من شاب لآخر..
عزمت على ان اوقفه عند حده..هتفت بحده متجاهله وجود شقيقي:
– ماذا تظنني أيها الشاب؟ آسفه فلست من اولئك..
انقبضت أساريره فجأه وقال بأسف حقيقي.. – معذره ياآنسه .. فأنا الذي يجب أن أتأسف…
انبرى شقيقي الأصغر قائلا:
– دعها ولا تتأسف لها.. إنها لاتستحق كل هذا التعب من أجلها إنها تستحق الضرب ..
خيل لي من صفحة وجهه الجانبية أنه يبتسم.. أحسست وكأن قلبي ينقبض فجأه وقد أدركت أخيرا بأن الحب قد تسلل الى قلبي..
وصلنا الى مكان اهلي.. استقبلتني امي بحرارة وهي تسألني عن نتائج الفحوصات وانطلق ابي يتحدث مع الشاب حديثا طويلا فهمت منه ان سيارتنا لن يتم اصلاحها بسهولة وسيوصلنا هذا الشاب مقر اقامتنا في الفندق على ان يعود هو وابي لاحقا لسحب السياره المعطله,, ركبنا سيارة الشاب ورغم اتساعها فقد بدت ضيقة وهي تقل العائله بأسرها,,لم يتحدث احد طوال الطريق سوى ابي وهذا الشاب النبيل مما أتاح لي ان اعرف الكثير عن حياته واهله وطموحاته..
مضت عطلتنا كأجمل ما تكون..وهذا الشاب يرافقنا في تنقلاتنا الكثيره دون ان يهمس لي ولو بكلمة..
وعرفنا بأهله ذات يوم فأذهلتني بشاشتهم وحسن ضيافتهم وكانوا مبهورين طوال فترة الضيافة..
لذلك لم افاجيء حينما انتحى بي ابي جانبا ذات يوم وهو يقول:
– إن عبدالله شاب مهذب وخلوق بالإضافة الى انه مؤهلا عاليا ..فما رأيك؟
لقد تقدم عبدالله لطلب يدك..ولكنني بعد برهة قلت لأبي بهدوء..
– ولكن..هل يعرف بمرضي يا أبي؟
ابتسم ابي بحنان وهو يقول: انه يرغب بك كما انتي ولا يهمه مرضك في قليل او كثير ..
سبحان الله يا ابنتي انه النصيب .. وخلال ايام بسيطه احتل خاتمه بنصري وامتلأت أحداقي بصورته وتربع على عرش قلبي بكل زواياه واركانه ..انه حبيب العمر..”عبدالله”

اقرأ:




مشاهدة 25