قصة عن قهر الرجال‎

بواسطة: - آخر تحديث: الثلاثاء , 20 يونيو 2017 - 16:47

مع اشتداد صعوبات الحياة وتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في قطاع غزة، انتشرت بين أوساط المجتمع قصص كثيرة حول (قهر الرجال)، وهو ما يصيب الإنسان من قهر وهم وغم بغلبة انتصر عليه بها، وهو يعلم أنه على الحق وخصمه على الباطل.

ويرى كثير من العلماء المسلمين أن القهر سببه الغلبة، فالرجل إذا شعر بغلبة الرجال له، وتسلطهم عليه، بحق أو بغير حق، تسبب ذلك في حصول الكمد والقهر في نفسه.

وثمة أسباب مقنعة تؤدي إلى قهر الرجال، أهمها أن يستنجد بك شخص قريب، كابن أو ابنة، ولا تستطيع نجدته، أن تذل في لقمة العيش، أن تحرم من تحديد مصيرك واتخاذ قرارك بنفسك، وأن تجبر على الابتعاد عن أحد الأعزاء لديك كالزوجة أو الأبناء، وهذا قمة القهر.

وورد مصطلح (قهر الرجال) في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: “دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: (يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ)، قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: (أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟)، قال: بلى يا رسول الله، قال: ( قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ)، قال ففعلت ذلك، فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني”.

قهر الانكسار والخسارة

 

في مجتمعنا تختلف المسببات التي تصيب الرجال بالقهر، فكل رجل مقهور في داخله يملك قصة خاصة به غالباً ما يفضل كتمها في داخله رافضاً الحديث بها أمام العامة باستثناء بعض المقربين، فيما أهله والعارفون بمعاناته يعاملونه معاملةً خاصة بغية إخراجه من حالته النفسية السيئة الناتجة عن القهر والغم.

وهذا ما جرى مع المواطن “نادر عز الدين” (48 عاماً) الذي بات منطوياً في منزله، موصداً باب غرفته على نفسه، يرفض لقاء أحد بما فيهم أهله وأبناؤه.

ويسرد جلال وهو الابن البكر للرجل صاحب القصة، أن والده كان صاحب مالٍ كثير، ويعمل في تجارة المواد الغذائية حتى أنه كان صاحب الوكالة الحصرية لعدد من المصنوعات الغذائية المستوردة، وكان تاجرا له سمعته واسمه في السوق.

قال جلال لـ”فلسطين”: “قرر والدي عقد شراكة مع تاجرين آخرين كان يثق بهما ثقة عمياء، حيث أقنعه هذان التاجران بصفقة تجارية غذائية مربحة للغاية، وكان الاتفاق على أن يسافر التاجران إلى الخارج وأن يرسل والدي إليهما نحو 200 ألف دولار، على أمل كبير أن يحقق ربحاً كبيراً من خلال صفقة العمر هذه”.

وأضاف: “لم يمض سوى أسبوع فقط، حتى جاء والدي اتصال هاتفي من أحد التجار، يخبره بأن أمواله وأموالهما سُرقت ولم يتبق منها شيء، وأنهما مضطران للبقاء خارج البلاد بسبب الديون التي ينتظرها الناس منهما، حتى أصيب والدي بجلطة مفاجئة”.

وبيّن جلال أن مساعي العائلة للتواصل مع عائلتي التاجرين باءت بالفشل، حيث إن التاجرين قد أخبرا عائلتيهما بذات القصة وأن حالهم بات مشتركاً، مشيراً إلى أن والده يشعر بالقهر الشديد بسبب شكوكه الكبيرة أن الأموال لم تسرق من أحد سوى التاجرين أنفسهما.

وتابع: “ما زاد القهر هو أن والدي لم يعرف كيف يتصرف وهو يرى أمواله تضيع أمام عينيه، فالأموال تبخرت تماماً بادعاء التاجرين اللذين كان والدي يثق بهما ثقة عمياء”.

قهر الحاجة

 

سبب آخر في قهر الرجال أن يُذل الرجل معيل أسرته وعياله في لقمة عيشه، ويشعر أنه يجب أن يتحمل الذل والإهانة من أجل تحصيل هذه اللقمة، وهذا هو حال الشاب “علي يوسف” (34 عاماً) الذي يعمل عاملاً في أحد معارض المفروشات في غزة.

قال يوسف لـ”فلسطين”: “عندما قبل رب عملي بي فرحت بشدة، لأنه لم يكن لدى عائلتي كسرة خبز، ولم أكن قادراً على توفير أي شيء، وهذا ما شعر به رب عملي الذي استغل وضعي بشكل سلبي جداً، وبات يذلني ويعاملني باحتقار وقد يشتمني أمام جميع العمال”.

وأوضح أنه مضطر للعمل لأكثر من 12 ساعة يومياً من أجل إرضاء رب عمله وعدم صرفه عن العمل، حيث يوكل إليه المهام الشاقة، مشيراً إلى أن الذل الذي يتعرض له من رب عمله انتقل إلى العمال أيضاً الذين باتوا يعاملونه بإهانة مشابهة.

وأضاف يوسف: “لا أعلم كيف أتصرف؟ وهل يتوجب علي ترك العمل مع هذا الرجل؟ أنا متردد في ذلك كثيراً بسبب صعوبة الحصول على عمل آخر، وفي حال لم أجد عملا فسيجوع أبنائي. لذلك قررت أن أتحمل الإهانة والشتيمة على أن يجوع أطفالي”.

أنواع القهر وتأثيره

 

من جانبه، يؤكد المتخصص النفسي والاجتماعي د. فضل أبو هين، أن لقهر الرجال أنواعا كثيرة، أبرزها قهر الحاجة، وقال: “عندما يكون الأب قادرا على العمل ولكنه عاجز عن إيجاد فرصة عمل مع تنامي حاجات الأبناء، هذا يسبب قهراً شديداً ويجعله في حالة من الإذلال والعصبية”.

وأوضح أبو هين لـ”فلسطين” أن الظرف الاقتصادي يعد من أقوى المسببات في قهر الحاجة والتي تؤثر على كرامة الرجل، وأضاف: “شعور الرجل بالعجز رغم امتلاكه القوة يشعره بالقهر الشديد والذل والهوان”.

وبيّن أن هناك نوعا آخر من القهر الذي يتعرض له الرجال في مجتمعنا، والمتعلق بحقوق الآخرين المسئول عنهم، مشيراً إلى أن تلبية الحاجات الشخصية تعد من أبسط المهام بالنسبة إلى الرجل، “ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوق أبنائه فإنه يشعر بقهر شديد إذا لم يوفر لهم مأكلهم أو مسكنهم وملبسهم”.

وتابع أبو هين: “هناك أنواع أخرى من القهر المتعلقة بالعلاقات الشخصية، كأن يخسر شخص علاقته بشخص آخر بسبب أمر ظُلم فيه، أو أن يخسر علاقته بزوجته بسبب عدم القدرة على الالتقاء بها بسبب الظروف الصعبة، أو أن يجبر الرجل على ترك أبنائه بسبب طلاقه من زوجته التي طلبت حضانتهم، كما أن وفاة أحد المقربين الأعزاء تعد سبباً آخر لقهر الرجال”.

ولفت أبو هين النظر إلى أن الرجل المقهور يعيش في عزلة وانفراد في المجتمع، ويتحاشى مخالطة الآخرين بسبب الشعور بالضغوط عليه، “فيبقى وحيد أفكاره ومحاولاته في معالجة الأمور، وفي حال لم يستطع التخلص من الهم والقهر بحل مشكلاته، فإنه سيشعر بالعجز وبالتالي سيؤثر ذلك على شخصيته طيلة حياته”، مشدداً على أن التمرد على الواقع وعدم الاستسلام يعدان من الأسلحة الفاعلة في مواجهة قهر الرجال.

ورأى أبو هين أن ثمة مسئولية تقع على كاهل المجتمع من أجل تجنيب الرجال الشعور بالقهر، من خلال إشراكهم بالمجتمع وإيجاد فرص عمل والمحافظة على كرامتهم واحترام رغباتهم، “ولكن في ظل عدم توفر الموارد والظروف الصعبة التي نمر بها، أصبحت هذه القيم لا قيمة لها”.

ونصح الأهل والأسرة بمعاملة الرجل المقهور من حدث ما معاملة استثنائية، وقال: “وهنا يبرز دور الأهل والأسرة في تولي دورهم المهم، وإشعاره بحاجتهم إليه وهذا من شأنه أن يخفف عنه كثيراً”.

اقرأ:




مشاهدة 25