قصة عن درس المحيط‎

بواسطة: - آخر تحديث: الثلاثاء , 20 يونيو 2017 - 11:43

أكل الجبل الشمس قبل قليل ورمى الليل لحافه على كتفي الشارع المطعون بنور فانوس نحيل. أتى صوت المؤذن من بعيد داعيا إلى الفلاح سائلا أن تتركوا هذا الراوي المجنون…
كانت تحت ضوء الفانوس تُصلح زينتها ماضغة علكتها أو ربما علّتها، خصرها بات عريضا وبطنها النافر ما عاد يسمح لها بتعرية صُرّتها.. إستها ما زال يؤلمها من جلسة البارحة على حجارة المحيط، قضت الليل تكلّمه لكنه لم يجبها، هو الآخر ينام في العراء.
أين ستنام الليلة؟!
أين ستنيخ رحلتها ؟!
حكّت ساقها بكف حدائها، ضوء الفانوس جمّع أسراب الناموس، حشرات الدنيا جاءته.. والجسم الثقيل يزيد علّته البعوض ويغطّ أنيابه في اللحم ويشرب.. دماء امرأة عاشت عمرها تلعن رأس المال والخوصصة والملكية الفردية وتحيي ذكرى أوّل خيانة زوجية ارتكبتها مع رجل مجهول طرق باب منزلها خطأ.
تركت الرصيف الأيمن المهجور وعانقت فانوس الرصيف الأيسر المعمور. كان الفانوس جثة، لكن الهامات لم تتوقف عن التزاحم فوق الرصيف مثل وعول تعبر النهر هاربة من أنياب أسود جائعة..
الكل يريد العتمة.. يحملون في جيوب معاطفهم وحقائبهم ما نهبوه من الدنيا ومن مكاتب الإدارات العامة والخاصة:
أقلام فاخرة، ورق رفيع، تحف وساعات حائطية، ستائر وملفات طوابير الإنتظار، هواتف بصور خليعة مهربة من أعين الشهوة.. الآن عرفت سرّ هذه المعاطف الشتوية في هذا الهجير!!!!
العتمة مغسلة كبرى وفسحة للغفران من الخطايا والكبائر؛ وفي العتمة انتظرت ساعات صيدا أو وحشا ينهش بعضا من ذلك اللحم المكتظّ حول هيكلها، ويخلص نهديها من قيودهما ليدق وتدا او وتدين وينصب خيمته عند الوادي او بين الجبلين.. لكن الشارع الأسود البخيل ظلّ يضنّ عليها برجل أو نصف رجل معتوه أو شيخ منهوب العينين مهدم الفكّين.
… وأخيرا قررت ترك المكان.
جرّت جُثتها وشهوتها على رصيف الوجوه الإسمنتية. توقفت أمام واجهة زجاجية لأحد محلات بيع الآلات الإلكترونية.. اعترضتها صورة اشهار، يتقدمها صدر اسفنجي مستعمل ووجه إجاصة شاحبة أسقطتها رياح عاتية وفم الجرح الساكن بعد طول نزيف. هذا مقرها إذن.. وقبالتها المقهى المصيدة.. هيا ادخليها، إنها ملجأ الامل الأخير المتبقي لهاته الليلة الغبراء..
جلست والعهر بعينيها تتأمل وجوههم المقلوبة. أشعلت ونفثت خيوط غوايتها في أرجاء المقهى.
أين سأبيتُ الليلة ؟!
هكذا اهتز صدرها المكلوم من ليال الأسبوع المندحر.
– كل الوجوه أعرفها.. وكل تلك الأجسام حفظتها وحفظتني، لا أحد منهم يرغب في معاودة الدقيق الناعم.. الكل مُتعب هذا الأحد، بعضهم أفرغته المتاعب والديون، وبعضهم أفرغ آخر مخازنه في فراش المسؤولية الزوجية.. يا.. لحظي..
الكل مشغول بأحاديث الإرهاب والإنقلاب.. كم كرهت هذه الحروب التي دمّت قلاعي وأجهزت على طمأنينتي.. اسلحتي صارت تقليدية وأسئلتي صارت لا تعنيهم وشفتي المرتعشة ملّت انتظارها وبدأتني النهاية.
ها هو صدري ترهل، انسحب إلى الأسفل منكسرا مثل المحيط..
المحيط! هو السبب.. سبب كل هذا الصقيع في هذا اليوم المحرق، تداعى أمام أعينهم يسّاقط توقيعا لكل خيبات الدنيا.. تساقطت معهم أسلحتهم بعد عمر من الإنتصاب الوهمي، اتسعت سراويلهم وترهلت أجسامهم كأنما أسقطها الجذام.. جذام ما بين الفخدين مرعب اليوم!!!!
وصل الجذام إلى الشوارب، ها هو ذلك المتقف الذي كان يرفع قرني شاربيه “تفاحلا”.. ها هو يدخل المقهى ذليلا مغفّر الوجه مهزوم القامة، مهدود الكتفين، يحمل في يده، كعادته، جريدة معارضة.. ها هو يجلس إلى جماعته نادبا امس اوهامه الجميل.. ماذا تراه يقول؟! هل انا التي اسقطت “أردوغان”؟؟ هل أنا التي نفخت في شاحنة “نيس”؟؟!!!
لم يعد يعجبكم هذا الإست الذي قبّلتموه كثيرا وبكيتم عليه طويلا آخر الليل؟!!!..
تتمتم في صدرها المغلول خنقا وإفلاسا.. بتخشع ورع..
رشقوا أعينهم في شاشة الحزن اليومي ليستمعوا إلى آخر تصريحات (قرد غان): لقد انتهى الانقلاب.. و قبضنا على القضاة.. وسنعدم الجنود لإطاعتهم الأموار!!!!…
صاح جندي، سابق، محلل في فضائية أخرى: دخلناها من مؤخرتها، قطّعنا أنسجة ولم نُقصر.. وقفنا بصدور عارية أمام فوهة النار المشتعلة..
انكسرت العيون أكثر وعلت الوجوه المسائية ألوان القهوة التركية، وغابت آخر الشموس الخجولة لتبدأ أزمنة العتمات..
كان النادل ما زال مبتسما منذ الهزيمة الأولى.. منذ اربعين عاما وجدوه في عمق الصحراء الغربية ظامئا، يبحث عن طريق المعركة الأخيرة.. عادوا به مبتسما ابتسامة غريبة ارتسمت على وجهه وهم يُخبرونه أن الحرب الذي ذهب إليها انتهت، من الخنادق.. و استقرت في الفنادق..
عندما عاد، ظلّ يجلس أمام المقهى دون أن يفقد الإبتسامة الغريبة.. قيل إنّ صاحب المقهى علم بمصابه. أشفق عليه وشغّله نادلا، مند سنوات بلا تصريح، و تحديدا بعد حرب الخليج الأولى.. طوّر النادل مهنته فأصبح يؤلف بين القلوب الشريدة وصاحبات الابتسامات الحمراء.. لم يقربني اليوم وظلّ مبتسما هناك بعيدا يراقبني ويراقب زبائن المحيط المنهار..
أفرغ أحد المتحلقين عبوة البيرة و جيوبه من ما تبقى من عباد الشمس على طاولة النقاش الأخير.. مسحوا قرفهم بجريدة عربية معارضة وحملوه إلى بيت الراحة العربي.. أغرقوه في ماء المراحيض وعادوا به مسلوب الألوان. دخل الآخر مخضّر الطلعة صائحا: “بوتين” يقصف “حلب الشهباء” ب”سوخاي” .. ضحك صاحب الشارب المهزوم ضحكة مكلومة وأسرع إلى المرحاض العظيم…
تزايدت زبائن المرحاض اليوم؛ والكلّ يفرغ حمولة قرن من الحمل الكاذب..
جاءني الصوت من داخلي هذه المرة مجروحا خافتا مرتعشا:
اين سنبيت الليلة؟؟!!!.. ومن يصدق هراء المحيط؟؟!!..

اقرأ:




مشاهدة 5