الرئيسية / اسلاميات / خطب الجمعة / خطبة الجمعة عن استقبال رمضان

خطبة الجمعة عن استقبال رمضان

[b id=”a1″]ملخص الخطبة[/b]
  • كل يوم هو في شأن.
  • الاستعداد لرمضان.
  • أصناف الناس في استقبال رمضان.
  • التهنئة بقدوم رمضان.
  • انقضاء الأعمار.
  • كراهية الموت.
[b id=”a2″]الخطبة الأولى[/b]

أما بعد: أيها الإخوة، إن لله جل وعلا منحًا وعطايا ينعم بها على عباده في كل حين، وهذه هي حال الكريم مع عباده الفقراء المحتاجين إليه، وكل يوم هو في شأن؛ يستر ذنبًا، ويعفو عن زلة، ويمحو سيئة، ويقبل توبة، ويرفع درجة.
أيها المؤمنون، يا لها من أيام قليلة معدودة تمرّ مرّ البرق وتنقضي انقضاء الحلم، ويا للعجب! كيف مرّ علينا عام كامل بكلّ ما فيه، فإذا بنا مرّة أخرى نستعدّ لاستقبال رمضان جديد، أسأل الله أن يبلّغنا إياه.
إننا جميعا الآن على أبواب رمضان، فمن منا فكر في الاستعداد له والتهيؤ لاستقباله؟! أتدرون ما مشكلة بعض المسلمين أيها الأحبة؟! مشكلتهم في كل عام يأتيهم رمضان وهم غافلون، لا يكاد يجد بعضهم طعم العبادة وحلاوة الطاعة إلا وقد انقضى رمضان وانطوت صحائفه بما فيها من إحسان المحسن وإساءة المسيء، فيندمون ويتحسرون ويتألمون، ويقولون: نعوّض في العام القادم، ويأتي العام القادم فلا يكون أحسن حالاً من سابقه، وهكذا حتى ربما كان آخر رمضان يدركونه ولا زلوا يؤجّلون.
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا ندمت على التفريط في زمن البذرِ
هل رأيتم مزارعًا يترك البذر ويرجو الحصاد؟! إنها سنة الله، أن لا يدرك إلا المجدّ، ولا يحصّل إلا الباذل.
وإذا كان الإنسان حريصًا أن يستعدّ لأمور دنياه أفلا يستعدّ المسلم للطاعة ويتهيأ للعبادة؟! ولو أننا تذكّرنا ما كان يقال عن أسلافنا وأنهم كانوا يستقبلون رمضان قبل مجيئه بستة أشهر، لو تذكرنا هذا لعرفنا لماذا كانوا يجدون لرمضان طعمًا لا يجده كثير منا.
أيها الإخوة، إنّ الناس في استقبال هذا الشهر العظيم على ثلاثة أصناف:
فمنهم من هو إليه بالأشواق، يعدّ الأيام والساعات شوقًا ورغبة إلى لقاء رمضان، الشهر الذي أحبّه وأنِس به، ولسان حاله يقول:
مرحبًا أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيبا زارنا فِي كـل عـام
قد لقينـاك بِحب مفعـم كلّ حب في سوى المولى حرام
إن بالقلب اشتياقًا كاللظى وبعيني أدمـع الحب سجـام
وهذا رسول الله كان إذا دخل رجب يقول: ((اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان)).
ومن الناس صنف لا فرق عندهم بين رمضان وغيره، فهم يستقبلونه بقلب بارد ونفس فاترة، لا ترى لهذا الشهر ميزة عن غيره إلا أنها تمتنع فيه عن الطعام والشراب، فهم يصبحون فيه ويمسون كما يصبحون ويمسون في غيره، لا تتحرك قلوبهم شوقًا ولا تخفق حبًا، ولا يشعرون أن عليهم في هذا الشهر أن يجدّوا أكثر مما سواه.
وصنف من الناس ضاقت نفوسهم بهذا الشهر العظيم، ورأوا فيه حبسًا عن المتَع والشهوات، فضاقوا به وتمنّوا أن لم يكن قد حلّ، لا يعرفون من رمضان إلا أنه وقت السهر في الليل على اللهو والغفلة، ووقت النوم في النهار، فتجده معظم نهاره نائمًا، فينام حتى عن الصلاة المفروضة.
وقد روت لنا كتب الأدب خبر واحد من هؤلاء، أدركه شهر رمضان فضاق به ذرعًا فجعل يقول:
أتانِي شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمـت شهرًا بعـده آخِرَ الدهـر
فلو كـان يعديني الأنـام بقـوة على الشهر لاستعديت قومي على الشهر
فابتلاه الله عز وجل بمرض الصرع، فصار يصرع في كل رمضان.
فتأمل حالك أيها الأخ المسلم، وانظر من أي الأصناف أنت.
كم من شخص سمع موعظة ثم ها هو الآن موسّد في الثرى يتمنى لحظة يسبّح فيها تسبيحة فلا يقدر عليها، ويرجو ثانية ينطق فيها بلا إله إلا الله فلا يجاب رجاؤه.
أيها الأحبة، لقد كان الرسول يهنّئ أصحابه بحلول هذا الشهر الكريم، ويعلن لهم عن فضائله شحذًا لهممهم وعزائهم، وتشويقًا لهم لاغتنام أيامه وساعاته، فقال رسول الله : ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين، وفتحت أبواب الجنة))، وقال: ((أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم)). قال ابن رجب: “هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان، كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان وغلق أبواب النيران؟! كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان؟!”.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يبق منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة))، وقال : ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)).
بمثل هذه الأحاديث العظيمة كان عليه الصلاة والسلام يعظ أصحابه إذا أظلتهم بشائر شهر رمضان؛ لينشط من هممهم إلى الطاعة والعبادة، وليصرفهم عن دنياهم إلى أخراهم، ومن متاع فان إلى تجارة رابحة دائمة. فهل لنا في ذلك متعظ؟!

[b id=”a3″]الخطبة الثانية[/b]

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: أيها الإخوة، ها هي الأيام تطوى يومًا بعد يوم، وأسبوعًا تلو أسبوع، وشهرًا يعقبه شهر. تمر بنا من أعمارنا ونفرح بمرورها وهي تقربنا من آجالنا وتنقص من أعمارنا، وبعضنا لا يزال في غفلة.
أيها المؤمنون، هذه الأيام مطيتنا إلى الله والدار الآخرة، تحملنا وتسوقنا إلى لقاء الله ويا له من لقاء. إنه لقاء مشوّق تشتاق إليه نفس المؤمن وتفرح به، وعلى العكس من ذلك حال المقصّر مع ربّه، وقد أخبرنا بذلك: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه))، فقالت عائشة رضي الله عنه: يا نبي الله، أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت! فقال: ((ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشّر برحمة الله ورضوانه وجنّته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشّر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه)).
أيها الإخوة، البعض منا اليوم يكره الموت لا كما قالت عائشة، فإن كراهية الموت من طبيعة الإنسان وأمر خارج عن الإرادة، لكن البعض يكره الموت لأنه لم يستعدّ للقاء الله، ولم يعمل من الأعمال ما يجعله يقدم به على الله وهو فرح مستبشر. البعض منا مفرّط مقصّر في الفرائض قبل النوافل وفي الواجبات قبل المستحبات؛ لذا فهو غير مستعد للموت. وقد أشار إلى هذا المعنى بعض السلف رحمه الله عندما سئل: ما بالنا نكره الموت؟! فقال رحمه الله: “لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فكرهتم الانتقال من العمران إلى الخراب”. نعم، إنه والله السبب الرئيس لكراهيتنا للموت.
يـا متعب الجسم كم تشقى لراحته أتعبتَ جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالْجِسم إنسان
يـا عـامر الخـراب الدار مجتهدا بالله هل لِخراب الديـن عمران
اللهم بلغنا رمضان، وأعنا على صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك عنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.

عن الهام الرويلي