الرئيسية / اسلاميات / فتاوى شرعية / الحكم الشرعي في تبديل العملة

الحكم الشرعي في تبديل العملة

الحكم الشرعي في تبديل العملة

العملة هي مقياس المنفعة في الأشياء الموجودة والجهود المبذولة فهي بالنسبة إلى الأشياء تعتبر ثمنا وبالنسبة إلى الجهود تعتبر أجرا , ويعبر عنها في علم الإقتصاد ” بالنقد ” وفي الفقه الإسلامي ب ” النقد ” و ” بالصرف “أيضا ومعرفة الحكم الشرعي لتبديل عملة بأخرى تتوقف على معرفة الفرق بين العملة الرسمية ذات القيمة العرضية المؤقتة المتغيرة وبين العملة الشرعية ذات القيمة الذاتية الدائمة الثابثة زمانا ومكانا .

العملة الرسمية

هذه العملة هي المتعامل بها في عالم اليوم وهي تتمثل في أوراق من مادة الكاغد أو في قطع معدنية من غير الذهب والفضة وهذه العملة بنوعيها تنقسم الة قسمين من حيث قيمة التعامل بها في المجتمعات الداخلية والخارجية

  • القسم الأول عملة أهلية داخلية ليس لها قيمة التعامل والتداول بين الناس سوى القطر الخاضع لقانون الدولة التي تحكمه فلا تتعدى قيمة هذه العملة حدود القطري الخاضع للقانون الذي قد قضى بجعلها عملة أهلية داخلية صرفا وتعاملا فبهذا قد أصبحت هذه العملة في سائر الأقطار الأجنبية عديمة الفائدة بالكلية فمثلها كمثل الحوت متى خرج من الماء يموت .
  • القسم الثاني عملة عالمية قابلة لتبديلها بأية عملة أخرى وفي أي قطر كان وهي معروفة في الاصطلاح الدولي ب ” العملة الصعبة ” ولها قيمة احتياطية من الذهب في المصرف المركزي المتعامل بها رسميا .ولا يجوز  قانونيا استبدلها بالذهب إلا للمستوطنين .

العملة الشرعية

تنحصر هذه العملة في مادتين اثنين من مواد من مواد المعادن الأرضية وهما الذهب والفضة بجميع أنواعهما وأصنافهما المضروبة وغير المضروبة تسمى أيضا ” ورقا ” والقطع المتعامل بهما من الذهب تسمى ” دنانير ” والقطع المتعامل بها من الفضة تسمى ” دراهم ” .

فقد ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام شرعية ثابتة لا تتغير وحصر فيها التعامل مع الناس ومانا ومكانا فعين مقدارا من الذهب في الدية وفي الرقة , قال رسول الله عليه الصلاة والسلام في كتابه إلى أهل اليمن { وإن في النفس الدية مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار } وقال { لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا } وقد حرم إكتناز الذهب والفضة دون غيرهما وأوجب نصاب الزكاة في عينهما , قال الله وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليس فيما دون خمس أوراق صدقة } وقال { وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر } .

فمن هذه النصوص وأمثالها يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية قد ربطت أحكامها بالذهب والفضة بالنص وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن العملة الشرعية محصورة فيهما ولا تتعداها وقد أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته وعين مقاديرها وموازينها حسب مقتضيات الأحكام وجعلها وحدها المقياس النقدي الذي يقاس به قيمة المنفعة لللسلع والجهود . والسبب في ذلك أن قيمة الذطهب والفضة قيمة ذاتية لا تنفك عن كل منهما ما دام إسم أيهما دالا على مادته الطبيعية في الحل والترحال ودوام قيمتها الثمينة في جوهرها ومادتها هو العلة في تحريم التفاضل فيهما دون غيرهما من سائر عملات الدنيا قال صلى الله عليه وسلم { الدينار بالدينار لافضل بينهما والدرهم بالدرهم لأفضل بينهما فمن كانت له حاجة بورق فليصطرفها بذهب ومن كانت له حاجة بذهب فليصطرفها بالورق والصرف هاوها } { الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد } .فنفهم من هذين النصين أن تحريم التفاضل محصورة في ستة أنواع وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح وهذا التحريم مشروط باتحاد جنس كل منهما عند البيع أو الصرف فإن إختلف جنس هذه الأنواع جاز بيعها وصرفها بالتفاضل على وجوب الحلول والتقابض عند توقع عدم الثقة بين المتابعين والمتدانين أما إذا تحققت الثقة بينهم فينتفي وجوب الحلول والتقابض . وقد جرى العمل بالترخيص في ترك الكتابة والاشهاد عند تحقق الثقة أو ظنها وذلك منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم الى يومنا هذا ولم ينكره العلماء وبهذا يتحقق الترخيص في ترك القابض المشروط عند صرف العملات وقد اتفق جمهور العلماء على أن علة تحريم الربا في الذهب والفضة كونها جنس الأثمان الشرعية فلا تتعدى هذه العلة الى غيرهما من سائر العملات الموزونة وغيرها لعدم مشاركتها في علتها القاصرة عليهما.

ولا يشترط الحلول والتقابض في غير الذهب والفضة من سائر أنواع عملات البشر على وجه العموم لأنها تعتبر شرعا من باب ” العروض ” والثمينة فيها ليست بالأصالة وإنما هي عارضة لها فقط .وحجتنا في ذلك مدعومة بعدة أدلة لا تقبل تفنيدا

  • أن الأحاديث النبوية قد نصت على تحريم التفاضل في ستة أنواع وفي مقدمتها الذهب والفضة ولم تنص على تحريم أية عملة غيرهما مع أن عملة النحاس والجلود كانت متداولة بين الناس زمان النبوة وقبله .
  • أن تحريم التفاضل في الذهب والفضة جزء لا يتجزأ من ” ربا الفضل ” الذي قصد بتحريمه سد الذريعة الى ” ربا النسيئة ” فمتى تحقق عدم الوصول الى ربا النسيئة عند استعمال ربا الفضل جاز التعامل به شرعا وعدم التوصل الى ربا النسيئة شيء محقق عند التعامل بالتفاضل في العملات الرسمية .
  • أن قيمة الذهب والفضة قيمة ذانية ثابتة لا تتغير أبدا فهي المعيار الدائم والمقياس الشرعي الذي تقاس به منافع الأشياء وجهود الناس وتقوم به سائر السلع والأموال وأن قيمة العملات الرسمية قيمة عرضية غير ثابثة الحال ولا مستقرة الصرف .
  • أن الشارع الحكيم حرم التفاضل في عين الذهب والفضة لا في عين ما استبدل بهما من عملات مواد أخرى سواهما لأن العبرة بقيمة الشيء في ذاته لا بشكله أو وزنه أو عدده أو كمياته .
  • قد أوقف الرئيس الأمريكي ” رتشارد نيكسون ” التعامل بتحويل ” الدولار ” الأمريكي الى ذهب ومن ذلك الوقت أصبحت جميع النقود الرسمية وعلى رأسها الدولار نقودا ورقية إلزامية بدون غطاء أو مقابل من الذهب بل ما هي سوى مجرد قصاصات من الورق ليس لها أية قيمة ذاتية .

عن هالة تاغزوت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.