قصة لوط عليه السلام‎

بواسطة: - آخر تحديث: الخميس , 27 أكتوبر 2016 - 10:50
قصة لوط عليه السلام‎

قصة لوط عليه السلام

ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة قصة قوم لوط عليه السلام وما حل بهم من النقمة العميمة

وذلك أن لوطا ابن هاران بن تارح وهو آزر ، كما تقدم ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور إخوة كما قدمنا ، ويقال إن هاران هذا هو الذي بنى حران وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب ، والله أعلم . وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وإذنه  فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر  وكانت أم تلك المحلة ولها أرض ومعملات وقرى مضافة إليها  ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوئهم طوية وأردئهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل  ويأتون في ناديهم المنكر  ولا يتناهون عن منكر فعلوه  لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكران من العالمين  وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين  فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات  والفواحش المنكرات  والأفاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم  فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم  وجعلهم مثلة في العالمين  وعبرة يتعظ بها  الألباء من العالمين  ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الأعراف {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } [ الأعراف : 80 – 84 ] . وقال تعالى في سورة هود { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت ياويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب ياإبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد}.
وذلك أن لوطا عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له  ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا  بل استمروا على حالهم  ولم يرعووا عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم  وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم  إذ كانوا لا يعقلون  إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الإخراج  وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج ، فطهره الله وأهله إلا امرأته ، وأخرجهم منها أحسن إخراج ،وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعد ما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج  لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج  وماؤها ملح أجاج  وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا ولهذا صاروا مثلة فيها  وعبرة لمن عليها  وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق  ويخونون الرفيق  ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الأقوال  والأفعال على اختلاف أصنافه حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم  وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ  ولا نصيحة من ناقل  وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلا  ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر  ولا ندموا على ما سلف من الماضي  ولا راموا في المستقبل تحويلا  فأخذهم الله أخذا وبيلا  وقالوا له فيما قالوا  ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين  فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم  وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته  وغضب لغضبته  واستجاب لدعوته  وأجابه إلى طلبته  وبعث رسله الكرام ، وملائكته العظام فمروا على الخليل إبراهيم  وبشروه بالغلام العليم  وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم  والخطب العميم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين  وقال  ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين  وقال الله تعالى { فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط }. وذلك أنه كان يرجو أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا  ولهذا قال تعالى { إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود }. أي أعرض عن هذا ، وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم  ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم  إنه قد جاء أمر ربك  أي قد أمر به من لا يرد أمره  ولا يرد بأسه  ولا معقب لحكمه وإنهم آتيهم عذاب غير مردود .

قال الله تعالى { ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب } قال المفسرون  لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم  جبريل , وميكائيل , وإسرافيل  أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صورة شبان حسان اختبارا من الله تعالى لقوم لوط  وإقامة للحجة عليهم  فاستضافوا لوطا عليه السلام  وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم غيره من القوم الفاسقين  وحسبهم بشرا من الناس و سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب .

قال ابن عباس  ومجاهد  وقتادة  ومحمد بن إسحاق  شديد بلاؤه  وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم ، كما كان يصنع بغيرهم معهم  وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا  ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه  وذكر قتادة أنهم وردوا عليه  وهو في أرض له يعمل فيها  فتضيفوه فاستحيى منهم وانطلق أمامهم  وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية  وينزلون في غيرها  فقال لهم فيما قال  والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء  ثم مشى قليلا  ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات قال  وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك  وقال السدي  خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار  فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها  وكانت له ابنتان اسم الكبرى أريثا  والصغرى دغوثا فقالوا لها  يا جارية هل من منزل ؟ فقالت لهم مكانكم  لا تدخلوا حتى آتيكم  فرقت عليهم من قومها  فأتت أباها فقالت  يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة  ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم ، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم  وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا  فجاء بهم  فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط  فجاءه قومه يهرعون إليه .

ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطا عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم  والباب مغلق  وهم يرومون فتحه وولوجه وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب  فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال ما قال  لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد  لأحللت بكم النكال قالت الملائكة  يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك  وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل  إنها غارت بالكلية  ولم يبق لها محل ولا عين  ولا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان  ويتوعدون رسول الرحمن ويقولون  إذا كان الغد كان لنا وله شأن قال الله تعالى { ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر} . فذلكأن الملائكة تقدمت إلى لوط عليهم السلام آمرين له بأن يسري هو وأهله من آخر الليل ولا يلتفت منكم أحد يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه  وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم  وقوله  إلا امرأتك على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله  فأسر بأهلك كأنه يقول  إلا امرأتك فلا تسر بها ويحتمل أن يكون من قوله  ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم  ويقوي هذا الاحتمال قراءة الرفع  ولكن الأول أظهر في المعنى  والله أعلم .

فلما خرج لوط عليه السلام بأهله  وهم ابنتاه  ولم يتبعه منهم رجل واحد  ويقال  إن امرأته خرجت معه فالله أعلم  فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد  ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد وعند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده  وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم  فقالوا  اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب إلى قرية صغر التي يقول الناس  غور زغر . فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال الله تعالى { فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد} .

قالوا  اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن  وكن سبع مدن بمن فيهن من الأمم يقال  إنهم كانوا أربعمائة ألف نسمة  وقيل  أربعة آلاف ألف نسمة  وما معهم من الحيوانات  وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن والمعتملات  فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم  ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها  قال مجاهد  فكان أول ما سقط منها شرفاتها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل  والسجيل فارسي معرب  وهو الشديد الصلب القوي منضود أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء مسومة أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه  كما قال  مسومة عند ربك للمسرفين  وكما قال تعالى  وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين  وقال تعالى  والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى   يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها  وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مسومة مرقوم على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها .
وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينتفع بمائها ، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها لرداءتها ودناءتها  فصارت عبرة ومثلة  وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله ، واتبع هواه وعصى مولاه ، ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في إنجائه إياهم من المهلكات  وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات  كما قال تعالى  إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وقال تعالى  فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين , أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم كيف غير الله تلك البلاد وأهلها ؟ وكيف جعلها بعد ما كانت آهلة عامرة هالكة غامرة ؟ كما روى الترمذي ، وغيره مرفوعا اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله  ثم قرأ  إن في ذلك لآيات للمتوسمين  وقوله  وإنها لبسبيل مقيم أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن ، كما قال{ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} [ وقال تعالى { ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون } وقال تعالى {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم } أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة وخشي الرحمن بالغيب ، وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم الله ، وترك معاصيه وخاف أن يشابه قوم لوط  ومن تشبه بقوم فهو منهم  وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه  كما قال بعضهم .

اقرأ:




مشاهدة 136