قصة سيدنا شعيب عليه السلام‎

بواسطة: - آخر تحديث: الثلاثاء , 25 أكتوبر 2016 - 10:02
قصة سيدنا شعيب عليه السلام‎

قصة سيدنا شعيب عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {7/85} وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {7/86} وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ {7/87} (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ {7/88} قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ {7/89} وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ {7/90} فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ {7/91} الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ {7/92} فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ {7/93} .

في قرية مدين حيث الأودية الخضراء كانت قيبلة عربية تعيش في رخاء من العيش ، و على مقربة من مدين كانت قرية صغيرة ، اشتهرت بخمائلها وبساتينها . . حتى عرفت بقرية ” الأيكة في فترة قصيرة و قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة ازدهرت الحياة في تلك المنطقة و قد ساعد اعتدال الهواء و تساقط الامطار على ازدهار الحياة الزراعية و الرعي فعاشت القريتان في بحبوحة من العيش .
كانت قرية ” مدين ” قليلة السكان و لكن رخاء الحياة ساعد في تكاثر السكان و أصبحت قرية عامرة بالأسواق و النشاط , و في تلك القرية و في ذلك الزمان عاش رجل صالح يدعى ” شعيب ” . كان شعيب يحبّ قريته و يحبّ قبيلته بل أنه كان يحبّ الناس جميعاً لهذا كان يهتم بشؤون الحياة في ” مدين ” في قرية ” الأيكة ” .و لكن لماذا يبدو على شعيب الحزن ؟ . . لماذا كان الرجل الصالح يتألم من أجل قومه ؟

كان قوم أهل مدين وثنيين  فهم يعبدون الأصنام  يعبدون حجارة لا قيمة لها و لا دور  و لكنهم يتصوّرون أن هذه الحجارة و هذه التماثيل المنحوتة هي التي ترزقهم و تبارك قريتهم .لهذا كان سيدنا شعيب حزيناً  فهؤلاء الناس لا ينظرون الى السماء الى الكون الفسيح الى الفضاء المليء بالنجوم  لا ينظرون الى الأرض الى الجبال الى الاشجار كيف تخرج من قلب التراب , لو فكروا قليللاً  لو تأملوا لعرفوا ان هذه الاصنام و هذه التماثيل الجامدة لا شأن لها و لا يمكن أن تكون إلهاً ان الإله الوحيد هو الله سبحانه الذي خلق كل شيء  خلق الناس و النجوم و الأشجار و كل ما تراه عيوننا و ما ندركه بعقولنا من أجل هذا كان سيدنا شعيب يدعوهم الى عبادة الله الواحد و نبذ الأصنام و الأوثان .

الله سبحانه رزق الناس كل شيء  و أهل مدين كانوا يعيشون حياة رغيدة ، فقد كان كل شيء متوافراً في أسواقهم ولكنهم كانوا يَغِشُّون في معاملات البيع و الشراء ، كانوا يُنقصون في الوزن ويَغِشّون البائع و المشتري ، فاذا باعوا شيئاً خففوا في الوزن و إذا اشتروا شيئاً فانهم يشترونه بعد أن يُنقصوا في وزنه كانوا يتصوّرون أنفسهم أحراراً في هذا العمل , وفي تلك الفترة اختار الله سبحانه الرجل الصالح شعيباً نبياً وليبلّغهم رسالته .

كان سيدنا شعيب خطيباً بليغ القول  حجّته قوّية لأنه يتحدّث باسم الحق و العدالة الانسانية . . و يتحدث بلغة الفطرة الصافية , بدأ سيدنا شعيب دعوته الى عبادة الله الواحد و نبذ الاصنام ، ثم راح يتحدث بهدوء عن فساد السوق ، و الظلم الذي يرتكبه أهل ” مدين ” بعد أن شاع فيهم التطفيف في الميزان قال سيدنا شعيب لهم انكم باعمالكم هذه سوف تنشرون الفساد . . الحياة الاجتماعية تنهض على التبادل . . فكل انسان يعطي ما يفضل عن حاجته و يأخذ ما يحتاج من ضروريات الحياة و هذا التبادل في السوق يحتاج الى أمن عام يحفظ وزن الأشياء و نوعها و مقاديرها , فاذا أشعتم الغش والتطفيف في الميزان و أعطيتم الردئ مكان الجيد ، و اذا احتلتم على المشتري او البائع ، فان هذا فيه الدمار لكم جميعاً .

كانت كلمات النبي شعيب جميلة جدّاً لأنها تريد لهم حياة أفضل ، يريد أن يعيش اهل مدين في قرية عامرة بالخير و الرزق الوفير و الأمن و الايمان , كان سيدنا شعيب يعرف ما حلَّ بقوم نوح و قوم صالح و قوم هود يعرف ماذا حلّ بقوم نوح و كيف غرقوا في أمواج الطوفان و كيف هبَّت العواصف لتجتث قبيلة ثمود  و كيف أمطرت السماء شهباً و ناراً لتُحيل ” سدوم ” و ” عامورا ” على البحر الميت الى خرائب , قال شعيب لقومه  ألا تنظرون ما حلَّ بقوم لوط هذه خرائب قريتهم تشهد على ما حلّ بهم من العذاب لأنهم عصوا رسول الله اليهم .

انقسم أهل مدين الى فريقين ، كان هناك فريق آمن بشعيب و رسالة الله التي يحملها  كانوا فقراء مستضعفين .
و كان هناك فريقاً آخر فريقاً يتألف من طغاة أهل مدين و اثريائهم , و كان هؤلاء يحاربون شعيب و الذين آمنوا به ، كانوا يهددون شعيب قائلين اننا لانفهم ما تقول يا شعيب .ثم انك ضعيف ، و لولا رجال من قبيلتك لقتلناك أو طردناك من مدين قال شعيب ( عليه السلام )  اتخافون رجالاً من قومي و لا تخافون الله سبحانه  انني لا أريد سوى اصلاح هذه القرية و لا أريد على ذلك اجراً ,انني احذّركم من غضب الله اذا ما ظللتم على فسادكم و غشكم و عبادتكم للأوثان و ما تقومون به اعمال مشينة في الأسواق من تطفيف الميزان و المكيال .

قال المستكبرون  اننا أحرار في كل شيء  احرار في ان نتصرف باموالنا و ضحك رجل وثني و قال ساخراً هل أن صلاتك هي التي تأمرك أن نترك آلهتنا و الاّ نتصرف في اموالنا بحرّية ؟! قال لهم سيدنا شعيب  انا لا انهاكم عن شيء ثم ارتكبه ان الحرّية ليست في أن يتصرّف الانسان ثم يظلم أخاه الانسان ,تصرّفوا بأموالكم كما تشاؤون و لكن لا تظلموا الآخرين و لا تغشوهم ، و لا تطففوا في الميزان و المكيال انتم تعيشون في قرية واحدة  و عليكم أن تتعاونوا فيما بينكم  و أن يحترم كل منكم حرّية الآخرين يا قومي استغفروا ربكم و عودوا اليه ان ربّي رحيم ودود الله يريد لكم الخير  و لهذا أرسلني اليكم

قال بعضهم انت رجل مسحور يا شعيب  اننا لا نفهم ما تقول ابداً ، و لولا رجال من اقاربك لقتلناك اننا نستطيع أن نفعل ذلك متى أردنا عندما رأى شعيب ان قومه يعاندونه و لا يستمعون الى مواعظه تركهم بعد أن حذرهم ، و قال لهم يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ , قالوا و هم يسخرون  اننا نتهمك بالكذب فاذا كنت صادقاً فأنزل علينا عذاباً من السماء قال سيدنا شعيب سوف تعلمون من الكاذب و هكذا تركهم و ذهب الى قرية قريبه هي قرية ” الأيكة ” .

لم يكن سيدنا شعيب من أهل هذه القرية ، كان من أهل ” مدين ” ، وعندما وصل شعيب ( عليه السلام ) قرية ” الأيكة ” وجد أهلها يعيشون حياة تشبه حياة أهل مدين ,رأى بساتين مثمرة و قد التفت الاشجار حول بعضها ، و رأى خيراً وفيراً ، فالعيون تتدفق من قلب التراب  و الصخور ، و تسقي الحقول و لكنهم أيضاً كانوا يعبدون الاصنام و يغِشُّون في معاملات البيع و الشراء لهذا قال لهم سيدنا شعيب

ألا تتقون الله و تخافون غضبه ؟ انني اخاف عليكم من عقوبة الله ان الله لا يحب الفساد و لا يحب الأشرار  فلا تعثوا في الارض مفسدين !رفض أهل الايكة الايمان برسالة شعيب و قالوا عنه أنه ساحر كذاب قالوا له  اذا كنت صادقاً فانزل علينا كِسفاً من العذاب قال شعيب بأدب عظيم ان الله يعلم ما تعملون انني ابلغكم رسالة ربّي وأن ما أريده هو الاصلاح ما استطعت قالوا انما انت ساحر كذاب ما هو فرقك عنّا أنت بشر مثلنا .

و هكذا عاد شعيب الى مدين و راح أهل الايكة يمارسون حياتهم بعيداً عن الايمان و العدالة و الصلاح .
أما أهل مدين ، فقد بدأ الصراع فيها بين المؤمنين و الوثيين ، لم يكتف الكفار بعدم الايمان برسالة الله بل راحوا يهددون المؤمنين و يؤذونهم حتى وصل الأمر بهم أن يهددوا المؤمنين بالعودة الى الوثنية .
نصح النبي شعيب قومه الاّ يقطعوا طريق الايمان  إنه الطريق المشرق في الظلام ، و ان الله سبحانه لن يغفر لهم ذلك .و ذات يوم جاء الكفار و قالوا لشعيب سوف نطردك و نطرد الذي آمنوا بك و اتبعوك قال أحد المؤمنين لكنا لم نفعل شيئاً نستحق عليه الطرد ؟!قال الكفار سوف نرغمكم على العودة الى ديننا .

استنكر النبي ( عليه السلام ) و قال حتى لو كنا نكره هذه العقيدة ،! كلاّ لن يعود المؤمن الى عبادة الوثن بعد أن اضاء الله قلبه رفع شعيب يديه الى السماء و قال بخشوع { رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ }.

اعتزل سيدنا شعيب قومه ، ولكن الوثنيين لم يتركوا النبي و الذين آمنوا ليعيشوا بسلام كانوا يحاولون اعادتهم الى الوثنية ، و كانوا يؤذونهم باستمرار , كانوا اذا رأوا أحداً يريد الاقتراب من منزله و الاستماع الى مواعظه فانهم يعطعون الطريق عليه و يهددونه , و كان سيدنا شعيب يذكرهم بمصائر الامم السابقة ، يذكرهم بمصير الذين كانوا يؤذون الانبياء و يحاربون المؤمنين ,لقد رأوا خرائب سدوم و عامورا ، و لكنهم لم يعتبروا من ذلك المصير الرهيب الذي حلّ بقوم لوط.

و جاء اليوم الموعود بكر الناس الى أعمالهم ، بعد أن ركعوا و سجدوا للاوثان و الحجارة و كانت اسواقهم تسودها ضجة ، و عيونهم تبرق بالغش كانوا يفكرون كيف يحتالون أكثر ليربحوا أكثر ! و هكذا انقضى اليوم و غابت الشمس و حلّ الظلام مرّت ساعات الليل بطيئة متثاقلة , فجأة اهتزت الأرض هزّات مدمّرة و كانت لحظات رهيبة تحولت فيها مدين الى انقاض و خرائب و عندما يمرّ المرء بتلك القرية الجميلة فانه سيصاب بالدهشة كيف تحولت و في لحظات الى اطلال و خرائب ؟! و كان العجيب في تلك الحادثة أن المؤمنين وحدهم قد نجوا و خرجوا من القرية بسلام .

أما قرية الايكة ، فقد حلّ فيها عذاب آخر و كان عذاب يوم الظلّة و رأى سيدنا شعيب خرائب القرية فقال بحزن  { يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ }.و عاش سيدنا شعيب بقية عمره في ” مدين ” و كان عنده قطيع من الماشية و عندما أصبح شيخاً طاعناً في السن تولّت ابنتاه الرعي و كانتا تعانيان في هذه المهمة خاصّة عندما تريديان أن تسقيا قطيع الأغنام ، لأن الفتاة يمنعها الحياء فلا تستطيع أن تزاحم الرعاة.

اقرأ:




مشاهدة 70