سجن يوسف عليه السلام‎

بواسطة: - آخر تحديث: الخميس , 27 أكتوبر 2016 - 10:52
سجن يوسف عليه السلام‎

سجن يوسف عليه السلام

يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه  وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب  وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه ؟ وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها  وهي مع هذا كله امرأة الوزير  قال ابن إسحاق وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر  وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء  إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء فعصمه ربه عن الفحشاء وحماه من مكر النساء  فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء .والمقصود أنها دعته إليها  وحرصت على ذلك أشد الحرص  فقال  معاذ الله إنه ربي يعني زوجها صاحب المنزل سيدي أحسن مثواي أي أحسن إلي  وأكرم مقامي عنده إنه لا يفلح الظالمون .

وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل  الكتاب فالإعراض عنه أولى بنا  والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها  ولهذا قال تعالى { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} واستبقا الباب  أي هرب منها طالبا إلى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره  وألفيا  أي وجدا سيدها أي زوجها لدى الباب ، فبادرته بالكلام وحرضته عليه قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم . اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها ، فلهذا قال يوسف عليه السلام  هي راودتني عن نفسي  احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة  وشهد شاهد من أهلها قيل كان صغيرا في المهد وقيل  كان رجلا قريبا إلى أطفير بعلها  وقيل  قريبا إليها وممن قال إنه كان رجلا  فقال إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين  أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه  وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين . أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان  ولهذا قال تعالى { فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم }. أي هذا الذي جرى من مكركن أنت راودته عن نفسه ثم اتهمته بالباطل  ثم أضرب بعلها عن هذا صفحا فقال يوسف أعرض عن هذا  أي لا تذكره لأحد لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها ، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ، ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك.

{ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } ذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأي بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لأمرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها  فسجنوه ظلما وعدوانا  وكان هذا مما قدر الله له ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم .  قال الله تعالى { ودخل معه السجن فتيان } قيل كان أحدهما ساقي الملك  واسمه فيما قيل  بنو  والآخر خبازه يعني الذي يلي طعامه ، وهو الذي يقول له الترك  الجاشنكير  واسمه فيما قيل  مجلث , كان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما  فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه إلى خلقه  فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه قال أهل التفسير  رأيا في ليلة واحدة أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة قد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه ,  على رأسه ثلاث سلال من خبز ، وضواري الطيور تأكل من السل الأعلى . فقصاها عليه  وطلبا منه أن يعبرهما لهما، وقالا  إنا نراك من المحسنين  فأخبرهما أنه عليم بتعبيرهما خبير بأمرهما  و قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما  قيل معناه مهما رأيتما من حلم فإني أعبره لكما قبل وقوعه  فيكون كما أقول  وقيل  معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا .أي بأن هدانا لهذا وعلى الناس أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه ، وهو في فطرهم مركوز ، وفي جبلتهم مغروز ولكن أكثر الناس لا يشكرون .

وقد روي عن ابن مسعود ، ومجاهد ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا  لم نر شيئا . فقال لهما  قضي الأمر الذي فيه تستفتيان { وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين}  يخبر تعالى أن يوسف عليه السلام قال للذي ظن أنه ناج منهما وهو الساقي  اذكرني عند ربك  يعني اذكر أمري ، وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك ، وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب ، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب  وقوله  فأنساه الشيطان ذكر ربه  أي فأنسى الناجي منهما الشيطان  أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام قاله مجاهد ، ومحمد بن إسحاق ، وغير واحد  وهو الصواب ، وهو منصوص أهل الكتاب فلبث في السجن بضع سنين  والبضع  ما بين الثلاث إلى التسع .

{وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ياأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} هذا كله من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام  وذلك أن ملك مصر   رأى كأنه على حافة نهر  وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر فرتعن معهن  ثم ملن عليهن فأكلنهن فاستيقظ مذعورا ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة  وإذا سبع أخر دقاق يابسات تأكلهن  فاستيقظ مذعورا  فلما قصها على ملإه ، وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها  بل قالوا أضغاث أحلام أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها  ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك  ولهذا قالوا وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين  فعند ذلك تذكر الناجي منهما الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسي إلى حينه هذا  وذلك عن تقدير الله عز وجل وله الحكمة في ذلك  فلما سمع رؤيا الملك  ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف وما كان أوصاه به من التذكار  ولهذا قال تعالى { وقال الذي نجا منهما وادكر } أي تذكر بعد أمة أي بعد مدة من الزمان  وهو بضع سنين , فأرسلوه الى يوسف وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس  يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية وفيه يعصرون يعني ما كانوا يعصرونه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها  فعبر لهم وعلى الخير دلهم وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم ، وما يفعلونه من ادخار حبوب .

لما ظهر للملك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه قال  ائتوني به أستخلصه لنفسي  أي أجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي  فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله قال إنك اليوم لدينا مكين أمين  أي ذو مكانة وأمانة قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم  طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سني الخصب لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه من الاحتياط لهم والرفق بهم  وأخبر الملك أنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الأشياء ومصالح الأهراء  وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة وعند أهل الكتاب أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جدا  وسلطه على جميع أرض مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني  ونودي بين يديه أنت رب أي مالك ومسلط  وقال له  لست أعظم منك إلا بالكرسي  قالوا وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة  وزوجه امرأة عظيمة الشأن .

قال الله تعالى { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء }. أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق الركاب بديار مصر يتبوأ منها حيث يشاء أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين  أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل .

اقرأ:




مشاهدة 93