دعاء رسول الله في الطائف‎

بواسطة: - آخر تحديث: الإثنين , 24 أكتوبر 2016 - 10:54
دعاء رسول الله في الطائف‎

دعاء رسول الله في الطائف

يعدّ الدعاء وسيلةً يتقرّب بها العبد من ربّه، سواءً أكان في حالة فرح أم حزن، وخير مثالٍ نذكره هو رسولنا الكريم محمّد – صلّى الله عليه وسلّم – حيث كان كثير الدّعاء في جميع الأحوال، وسنتحدّث في هذا المقال عن دعائه عليه الصّلاة والسّلام في الطّائف.

بعد ما لاقى رسول الله ما لاقى من أهل الطائف من الحجارة والسباب، وجد حائطًا (حديقة) فأسرع إليها يحتمي بها، دخل رسول الله إلى الحائط، وهو مثقل بالهموم والأحزان والجراح، فأسرع إلى ظل شجرة وجلس تحتها وأسند ظهره إلى الشجرة ومد يده إلى السماء، وانهمرت عبراته وهو يدعو بدعاء ما دعا به قبل ذلك، وما دعا به بعد ذلك، دعاء يعبر عن مدى الألم والحزن والهم والغم الذي شمل كل كيان رسول الله ، وقد أغلقت أمامه كل الأبواب إلا هذا الباب الذي لا يغلق أبدًا، باب الرحمن، قال رسول الله

“اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إلى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ”.

قد يؤخر الله استجابة الناس للداعية لحكمة لا يعلمها إلا هو I، ولكن أحيانًا يكون الداعية مخطئًا في أمر من الأمور فيغضب الله عليه، فيمنع الناس من الاستجابة له، ورسول الله في هذا الدعاء يذكر أنه طالما أن الله ليس بغاضب عليه فهو سيتحمل كل هذه الآلام والمصائب والأحزان (إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي)، هذه الجملة -يا إخواني- هي منهج الحياة (إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي). والله لو طبَّق المسلمون هذه الجملة فقط في حياتهم، لفازوا بخير الدنيا والآخرة.

وبينما رسول الله جالس في الحائط إذ ظهر فجأة أصحاب الحائط، من هم؟

إنهما عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، كافرا مكة المشهوران، وكانت لهما أملاك بالطائف، فعتبة هو أبو الوليد الذي أجرى المفاوضات يومًا ما مع رسول الله في أواخر السنة السادسة من النبوة، وشيبة أخوه، وهما من الذين دعا رسول الله -يوم أن وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره- فقال اللهم عليك بعتبة بن ربيعة وعليك بشيبة بن ربيعة. ومع هذا العداء المستحكم والصراع القديم إلا أن الحالة التي وصل إليها رسول الله من الألم والتعب والحزن، جعلت القلوب الكافرة ترق وتحن، أشفق الكافران على رسول الله فأخذا عنقودًا من العنب ووضعاه في طبق، وأرسلا به غلامهما إلى رسول الله ، كان هذا الغلام نصرانيًّا وكان اسمه عَدَّاس.

إسلام عدَّاس وَمْضَةٌ في الظلمة

كان رسول الله وزيد بن حارثة قد بلغ بهما الجوع والعطش مبلغًا عظيمًا، فكان طبق العنب بمنزلة الإنقاذ لهما، فوضع عداس الطبق أمامهما فمد رسول الله يده إلى الطبق وقال: “بِاسْمِ اللَّهِ”، ثم أكل. لم ينس التسمية حتى في هذه الظروف، وقد كانت هذه التسمية البسيطة سببًا في خير كثير، تعجب عداس من هذه الكلمة، فهو لم يسمعها في الطائف مطلقًا، فقال: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فرد رسول الله عليه بسؤالين، يتعرف بهما على الغلام، قال له رسول الله :

“مِنْ أَيِّ بَلَدٍ أَنْتَ؟ وَمَا دِينُكَ؟”

ما هذا؟ رسول الله لا يضيع فرصة أبدًا للدعوة إلى الله ، الدعوة تسري في أوصاله وفي دمائه وفي دقات قلبه وفي نفسه، حتى في هذه الظروف الحالكة وقد رفض دعوته الأسياد والأشراف، لا يستقل هذا العبد الصغير فيجرب معه الدعوة.

قال الغلام أنا نصراني، من أهل نِينَوَى.

فقال رسول الله  “مٍنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؟”.

دهش الغلام كيف عرف هذا الرجل يونس بن متى؟!

قال عداس وما يدريك ما يونس بن متى؟

قال رسول الله  “ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ”.

هنا أدرك الغلام الصغير ما لم يدركه حكماء ثقيف، أو قل: سفهاؤها، أدرك أن هذا الرجل فعلاً رسول، فآمن لساعته، وأكبَّ على رأس رسول الله وعلى يديه وعلى رجليه يقبلها، وكأن الله أبى إلا أن يثلج صدر رسول الله بمؤمن، وعلى بعد خمسة كيلو مترات من البلد المقصود، نعم هو عبد في نظر الناس ولكنه بإيمانه أثقل من أهل ثقيف جميعًا ومثلهم معهم.

عتبة وشيبة ابنا ربيعة يرقبان الموقف، ولم يكن يحتاج إلى ذكاء كثير لاستنباط ما حدث، فقال أحدهما للآخر أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما عاد عداس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي. لكن القلوب القاسية لم تفقه، فقالا له ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. وكذبوا.

أصبح الموقف الآن في غاية الحرج، الطائف رفضت الدعوة هذا الرفض القبيح، ولا شك أن الخبر قد طار إلى مكة، ولا شك أيضًا أن مكة كانت قد اكتشفت تسلل رسول الله منها دون علمها، إذن مكة ستصبح موصدة الأبواب أمام رسول الله ، وستكون محاولة الدخول إليها في غاية الخطورة، فماذا يفعل ؟

انشغل رسول الله بالتفكير في هذا الأمر، الأقدام تسير في اتجاه مكة، لكن العقل مشغول غاية الانشغال، يقول يصف هذا الموقف، كما جاء في البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

“فَانْطَلَقْتُ -أي من الطائف- وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ”. وهي المسماة بقرن المنازل، مهمومًا حزينًا، وكأنه في إغماءة أو في نوم ثم أفاق في قرن الثعالب، أتدرون كم تبعد قرن الثعالب عن الطائف؟ تبعد خمسة وثلاثين كيلو مترًا، سار رسول الله كل هذه المسافة وهو في شبه إغماء من شدة الهم والتفكير.

حرص رسول الله على هداية قومه

ثم حدث أمر عجيب هناك في قرن الثعالب، كما جاء في رواية البخاري يقول رسول الله : “فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ (مقامات عالية جدًّا، وتخيل مدى انشراح الصدر لرسول الله في هذه اللحظة، وتخيل مدى الشعور بتفاهة المشركين والمكذبين، فهؤلاء الذين يظنون أنفسهم سادة، كيف يقارنون بالجبال وكيف يقارنون بأعظم الملائكة جبريل ) فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الأَخْشَبَيْنِ (والأخشبان هما جبلا مكة: أبو قبيس وقيقعان). فَقَالَ النَّبِيُّ  “بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا”.

اقرأ:




مشاهدة 228