دركات النار‎

بواسطة: - آخر تحديث: الخميس , 27 أكتوبر 2016 - 10:48
دركات النار‎

دركات النار

إذا كانت الجنة درجات لأعلى فإن النار دركات لأسفل فالجنة تجد فيها كل نعيم أحسن من النعيم الذي تحته، وعندما تدخل أسرة مؤمنة إلى الجنة بفضل الله فإنه قد يكون الأب والأم أكثر صلاحا وأكثر حسنات من الأبناء أو العكس، أو الزوج أعظم صلاحا من الزوجة، أو الزوجة أكثر إيمانا من الزوج، فكل واحد يدخل الجنة برحمة الله ثم يقتسمونها بعد ذلك بالعمل، فنفرض جدلاً أن الأب صالح بدرجة عالية وزوجته أقل منه قليلاً والأولاد أقل، فيكون لهؤلاء ثلاث درجات، فيتمنى الأب وتتمنى الأم ويتمنى الأبناء أن يجمعهم الله في مكان واحد، فيلحق الله الأدنين بالأعلين.

والنار دركات بعضها أسفل من بعض، ولا خلاف بين العلماء فيها، لكن الخلاف فيمن يسكن هذه الدركات , وقد اتفقنا من قبل أن أخف أهل النار عذاباً هو أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قبل الله فيه شفاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فوضعه في ضحضاح في جهنم -وهذه صورة من صور العذاب في جهنم- فأخف أهل النار عذابا أن يلبس أبو طالب نعلين أو خفين من نار يغلي منهما دماغه، يظن أنه أشد أهل النار عذابا , من هذا المنطق نقيس أن أخف الناس عذاباً في النار يمكث فيها ما شاء الله سبحانه، واليوم بألف سنة عند الله، ومن أهل النار من ينقص يوما ومن ينقص يومين ومن ينقص أسبوعا ومن ينقص شهرا ومن ينقص عاما، ومن ينقص فيها كعمر الدنيا منذ أن خلقت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ذكر ما جاء في جهنم
جهنم هي أول دركة من دركات النار، وفيها عصاة موحدون، وهم الذين ماتوا وما زالت لهم سيئات لم يتوبوا منها، ولم يرض الله عز وجل بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وذلك كمن مات وعليه مظالم للعباد ما استطاع أن يرجعها، وعليه ذنوب لم يتب منها، وعليه أشياء لم يبدلها الله حسنات أو يمحها، عندئذ دخل جهنم.

وسميت بجهنم اشتقاقاً من التجهم، نقول فلان متجهم أي مكشر ووجهه غير مريح لمن ينظر إليه، فكأن جهنم تتجهم في وجوه أصحابها، أي تكون عابسة متجهمة لا يستريح إليها ناظر، وهذه الدركة لمن يدخل النكد على المسلمين من المسلمين أنفسهم، فهذ{ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ } , فأهل الحسرة ينظر إليهم أهل النار فيرون أنهم أشد أهل جهنم عذاباً؛ لأنهم كانوا يدخلون النكد على المسلمين وعلى بيوتهم، كالمدير الذي ينكد على الموظف في وظيفته، والرئيس الذي ينكد على مرءوسه ويحول حياته إلى جحيم، ويخوفه ويرعبه بالتقارير، فهؤلاء أناس يدخلون الكآبة والحزن على الناس، ومن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، فأنت تجعل زوجتك مسرورة وأمك كذلك وأختك وعمتك وخالتك بصلة الرحم، فلابد أن تدخل الفرح على المسلمين.

يذكر أن ابن عباس اعتكف في رمضان تحت الحجر الأسود، فجاءه رجل يطلب منه قضاء حاجته، فخرج ابن عباس مع الرجل ثم رجع، فتعجب المسلمون من ذلك، لماذا قطع ابن عباس الاعتكاف، فلما سئل ابن عباس عن ذلك قال هذا الرجل كانت له حاجة فقضيتها له، فقالوا أتقطع اعتكافك عند الحجر الأسود من أجل قضاء حاجة هذا الرجل، فقال لأن أسير خطوة في قضاء حاجة أخي المسلم أحب إلي من أن أعتكف عند الحجر الأسود سبعين سنة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه).

 

فجهنم هي الدركة الأولى في النار، والدركة التي بعدها تسمى سقر ثم الحطمة ثم الهاوية ثم الجحيم ثم لظى ثم الدرك الأسفل.

كان الصحابة جالسين مع سيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم فسمعوا صوتا كأنه الرجفة فقالوا ما هذا يا رسول الله؟! قال(هذا حجر ألقي منذ سبعين سنة في جهنم وصل قعرها الآن) , إن الله عز وجل بعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبشراً ونذيراً، يبشر بالجنة وينذر ويخوف من النار، والخوف من النار مطلوب، وأنت لو كنت مؤمناً صادقاً فإنك تخاف من الفضيحة يوم القيامة، وتخاف أيضاً من النار وما في النار من عذاب، نسأل الله أن يباعد بيننا وبينها بعد المشرقين.

أول درجة من الخوف هي التي تبعدك عن الحرام فلا تأكل حراما ولا تتكلم حراما ولا تنظر إلى حرام، ولا تمد يدك لحرام، ولا تجلس في جلسة فيها حرام، هذه أول درجة من الخوف، فإن لم تكن عندك هذه الدرجة فكن كما قال الحسن البصري كمن ترك جاريته في السوق ورجع إلى البيت فلم يجدها، فلما عادت سألها أين كنت؟ قالت يا سيدي تركتني في مكان شغل الناس فيه بالبيع والشراء فلم أجد أحدا منهم يذكر الله عز وجل، فخفت أن ينزل غضب الله على من في السوق فأكون معهم فهربت إلى البيت.

وسمع النبي صلى الله عليه وسلم شابا من شباب الصحابة يبكي طوال الليل في تهجده ويقول واغوثاه واغوثاه من النار، فيلتقي الحبيب به في صلاة الصبح فيقول يا فلان ماذا كنت تقول؟ قال كنت أقول يا رسول الله واغوثاه أي أغثني يا رب من النار، قال (لقد أجريت دمعا غزيرا من كثير من ملائكة السماء)، أي أبكيت ملائكة السماء من بكائك.

ذكر بعض الآيات والأحاديث الواردة في جهنم

 

قال الله عز وجل في سورة الأعراف{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ}  ذرأنا يعني جهزنا وخلقنا وأعددنا، قال{ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا } وهذه صفة كل من سمع كلام الله ولم يعمل به، فالمسلم يجب عليه عندما يسمع كلام الله أن يشفق ويخاف، قال{ وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا } , فالله عز وجل خلق وأعد خلقا من الإنس والجن لهم قلوب مثل قلوبنا ولهم أعين كأعيننا ولهم آذان كآذاننا، لكنها آذان معطلة لا تسمع إلا ما كان خاصاً بالدنيا، أما أن يسمع درسا شرعيا في المكان الفلاني فهذا الذي لا يريده.

وقال تعالى في سورة هود{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وليس معنى ذلك أن كل الجن والإنس يدخلونها، إنما معنى الآية مجموعة من الجن ومجموعة من الإنس يجتمعون ويدخلونها نسأل الله السلامة، وهؤلاء هم الجهنميون الذين قصروا في عبادة الله عز وجل كذلك قوله تعالى في سورة السجدة{وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }. وقال الله تعالى في سورة الجن{ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} فحطب جهنم -والعياذ بالله- مخلوقات من الإنس والجن.

 

وقال تعالى{ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} فتخيل أن الإنسان وقود جهنم وكما قال الله تعالى{ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا} يقول الكفار المشركون يوم القيامة{ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} ، وقالوا{ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}  ولكن الجواب{ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} وقيل إن مالكا يرد عليهم بعد مائة سنة، يعني لما طلبوا هذا الطلب جاء الرد عليهم بعد مائة سنة، فيا له من كلام يتصدع له القلب , وقال الله تعالى في سورة الأنبياء{ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ }.

فالذي يدعي الألوهية، أو يتصف بصفة من صفات الألوهية فجزاؤه عذاب جهنم، والله سبحانه وتعالى يقول: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق:29] وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ولا أبالي)؛ لأن الكبرياء والجبروت لله عز وجل، فاحذر أن تتكبر على الآخرين.

دخل فقير مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس بجوار الغني، فضم الغني عباءته، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم وقال (أخفت أن يعديك فقره، أم خفت أن يعدو عليه غناك؟) فقال الغني تنازلت له عن نصف مالي يا رسول الله! يريد أن يكفر عن ذنبه الكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للفقير أتقبل؟ قال لا أقبل يا رسول الله ولم؟ قال أخاف أن يدخلني من الغرور ما دخله فمن عباد الله من هو غني لا يصلح له إلا الغنى، لو أفقره الله لفسد حاله، وإن من عباده فقيرا لا يصلح له إلا الفقر ولو أغناه سبحانه لفسد حاله، ولذلك أعظم دعوة{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } والحسنة عند الله لا يعلمها إلا هو، قال تعالى{ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } .

يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي والترمذي عن أبي هريرة  (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع) يعني أنها قضية مسلم بها، فبما أن اللبن لن يعود إلى الضرع،  فلن يدخل النار من بكى من خشية الله، فإن كان قلبك قاسيا فرقق قلبك بالصلاة وقيام الليل والتباكي، فالدموع إذا سالت لان القلب، اللهم رقق قلوبنا يا رب العالمين , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حرمت النار على عين سهرت بكتاب الله، وحرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين غضت عن محارم الله، أو فقئت في سبيل الله)، فكل هذه وسائل خير تحجز بينك وبين النار.

 

تتعاقب الملائكة بالليل والنهار على المصلين فيقول الله كيف تركتم عبادي؟ يقولون كذا وكذا وكذا، يقول هل رأوا الجنة؟ يقولونلا يا رب، فيقول فكيف إذا رأوها؟ قالوا ويستعيذون من النار، فيقول الله هل رأوها؟ يقولون لا يا رب، يقول فكيف إذا رأوا النار؟ ثم يقول الله قد أعطيتهم ما يطلبون وعوذتهم مما يتعوذون. أي أبعدهم عن النار.

 

وإذا كان يوما شديد الحرارة فقال العبد إن هذا يوم شديد الحرارة، اللهم أجرني من حر جهنم، قالت النار يا رب إن عبدك فلان قد استجار بك مني، اللهم فأجره، وإذا كان يوما شديد البرد زمهريرا تقول يا رب باعد بيني وبين زمهرير جهنم وكذلك النار تدعو الله لك عز وجل أن يباعد بينك وبينها , ويقول بعض العلماء إن الحر في النار والعياذ بالله للإنس، والزمهرير -برد شديد جداً- للجن، لأن الجن مخلوق من النار.

إن جهنم  للعصاة الموحدين، أما سقر ولظى ففيهما خلاف بين العلماء، يقول بعض العلماء إن سقر فيها النصارى ولظى فيها اليهود وفريق من العلماء يقول إن اليهود في سقر وهي تلي المسلمين مباشرة، والنصارى في لظى وهي تلي اليهود ,ورأي آخر يقول إن النصارى أقرب قليلاً إلى المسلمين، فهم في الدرك الذي أسفل منهم، ورأي يقول اليهود موحدون والنصارى مثلثون، وأنا أميل إلى الرأي الذي يقول إن النصارى أشد عدالة من اليهود، هذا ما أستريح له، لكن هذا رأي وهذا رأي، هؤلاء لهم أدلة وهؤلاء لهم أدلة، ونحن نقول فقط نظرة عامة.

الحطمة والسعير ومن يسكنهما
والدركة الرابعة الحطمة وفيها الصابئون، وبعدها السعير للمجوس، ومن بقي الآن كالهندوس، فالهندوس يعبدون البقر وفرقة منهم يعبدون النار.

وفي الهند الآن ترى الهندي بائع الفواكه إذا مرت البقرة وأكلت من قفص الفاكهة أو الخضار يقول حلت البركة في المحل لأن الرب قد أكل من طعامي، وتأتي البقرة فتنام في ميدان مثل ميدان التحرير فتقف كل الإشارات لأن الرب نائم لا أحد يوقظه نسأل الله الهداية.

السعير والعياذ بالله فيه المجوس عبدة بوذا وعبدة الشيطان في أمريكا الشمالية والجنوبية الذين يقيمون طقوسهم عند الهرم، يزعمون أن إلههم الشيطان يظهر عند الهرم كما في كتبهم، ويأتون إلى مصر للسياحة فيقيمون طقوسهم عند (أبو الهول).
من يسكن الدرك الأسفل من النار
أما الدرك الأسفل ففيه ثلاث عينات المنافقون وأصحاب المائدة وفرعون ومن تبعه.{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}وأصحاب المائدة هم أصحاب سيدنا عيسى، فمن سوء أدبهم قالوا{ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} انظر إلى التعبير، قالوا (هل يستطيع ربك) ولم يقولوا ربنا، وكذلك اليهود قالوا لسيدنا موسى{ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}

فغضب الله عليهم غضبا لم يغضب مثله على أحد من العالمين من قبل، فهؤلاء مع المنافقين في الدرك الأسفل، كذلك قال الله تعالى في شأن فرعون وقومه{ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }فهؤلاء سكان دركات النار والعياذ بالله رب العالمين.

اقرأ:




مشاهدة 145