تعريف الاسرة في الاسلام‎

بواسطة: - آخر تحديث: الإثنين , 24 أكتوبر 2016 - 10:16
تعريف الاسرة في الاسلام‎

تعريف الاسرة في الاسلام

لا يختلف تعريف الأسرة في الإسلام عن تعريفها في العلوم الإنسانية المتخصصة، فالأسرة تعرف بشكل عام على أنها الوحدة الأساسية التي يتكون منها المجتمع، وهي حاضنة الأفراد، وهي التي تمنحهم ثقتهم بأنفسهم، وتنمّي مواهبهم، وتعزز فيهم القيم الأخلاقية، والدينية، والإنسانية، فينشأ مجتمع متكافل، متراحم، كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه جزء، اشتكت لشكوته باقي الأجزاء.

مما يدلُّ على عناية الإسلام بتكوين الأسرة وإحكام بِنائِها، ورعايتِها لتحصيلِ مقصودِها؛ من حُصول الإعفافِ للزوجين، والسَّكَن الفِطريِّ لبعضِهما والمودَّة والرحمة، وإقامة البيت المُسلم، والتعاوُن على البرِّ والتقوى، وتربية الذرِّيَّة الصالِحة التي تعبُد اللهَ وتُطيعُه.
والأُسرة تمتدُّ لتشملَ وحداتٍ مُترابِطة تضمُّ الأقارِبَ والأرحامَ، وتُراقِبُ ذاتَها في سُلوك أفرادِها، والتِزامِهم المبادِئ والقِيَم، في توريثٍ للخير، ورعايةٍ لنَبتِ الصلاح في أرض الأسرة المُورِقة.
يُذكِي ذلك: التوجيهُ بصِلَة الأرحام، وإيجابُ التربية والرعاية رعايةٌ صحيَّة وجسديَّة، غِذاءٌ وسَكَن، وتوفيرٌ للحبِّ والعَطف والرحمة، والراحة النفسيَّة لكل الأفراد، مهما كان موقِعُهم من الأُسرة.
كما يلتزِمُ الوالِدان بتقديم العُلُوم الضروريَّة والخِبرات الكافية لمن تحت أيديهم، عن دينِهم وتعاليمِه، وكل ما يُؤدِّي بهم لأَن يكونوا أفرادًا صالِحين، وعبيدًا لربِّ العالمين، مع تهيِئَتهم لمعيشةٍ كريمةٍ في هذه الحياة.
وبقَدر ترابُط الأُسَر يقوَى تماسُك المُجتمع ويشتدُّ، ومع أن الزواجَ وتكوينَ الأُسرة ضرورةُ حياة، وجِبِلَّةٌ وفِطرةٌ، إلا أنه أيضًا رِباطٌ يمتدُّ إلى اليوم الآخر{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} [الرعد: 23]. وهذا خِتامُ المفاهيم لرابِطة الأُسرة في الإسلام.
أيها المسلمون
الحديثُ عن الزواج وتكوين الأُسَر مع إقبالِ موسمٍ تكثُرُ فيه مُناسباتُه هو حديثٌ ذو شُجون، وأكثرُ ما يُشجِي فيه ويُؤلِم: كثرةُ الفشلِ فيه، وتفشِّي المُشكِلات الزوجيَّة، وارتِفاعُ نِسَب مُعدَّلات الطلاقِ إلى ثُلُث الزِّيجات وأكثر. مما يُكدِّرُ الفرحَ بكثرة الزواجات، ويستدعِي نظرَ أهل العلم والفِكر، وتنبُّه أصحابِ الرأيِ والقرار.
كما أن على رِجالاتِ التربية والتعليم، والمسؤولين عن المناهِج وسِياساتِ التعليم أن يبذُلُوا مزيدَ عنايةٍ في هذا الجانِبِ للبنين والبناتِ، ويتحمَّلُ الإعلامُ واجِبًا كبيرًا ومسؤوليَّةً أخلاقيَّةً تِجاه المُجتمع، بما يعرِضُه سلبًا أو إيجابًا، وليس لأحدٍ أن يدَّعِي العصمةَ أو السلامة من الخطأ؛ فالمُراجَعات من شِيَم النُّبَلاء.
ينبغِي أن يُعاد النظرُ في مدَى تحقيق التعليم والإعلام للأهداف النَّبيلة الراعِيَة للأُسَر تكوينًا وإنشاءً، وتربيةً على القِيَم والمبادِئ والأخلاق الفاضِلَة، وطِيبِ المعشَرِ وحُسن التعامُل، والوفاءِ بالحُقوق، والقِيَام بالواجِبات، وكيفية أدائِها.
لا بُدَّ أن تتكرَّر هذه الفضائلُ حتى تتقرَّر، وتستقِرَّ في العقول والقلوبِ لتُصبِحَ سُلوكًا يُطبَّق، لا مُجرَّد نظريَّاتٍ مهجُورةٍ.
وإن على الأولياء مسؤوليَّةً عظيمةً تِجاه الخاطِب؛ فهي أمانةٌ يُسألُ عنها يوم القيامة.
الزواجُ أمرٌ إلهيٌّ، وحضٌّ نبويٌّ، وسُنَّةٌ للمُرسلين، {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[النور: 32]، {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3].
وفي أمرِ الرسول – صلى الله عليه وسلم – «يا معشرَ الشباب! من استطاعَ منكم الباءَة فليتزوَّج .. الحديث»؛ متفق عليه.
وميزانُ النجاح والسعادة في الاختِيار هو توجيهُ النبي – صلى الله عليه وسلم – بقولِه «تُنكَحُ المرأةُ لأربعٍ لمالِها، ولحَسَبها، ولجمالِها، ولدِينِها، فاظفَر بذاتِ الدينِ ترِبَت يداك»؛ رواه البخاري ومسلم.
وفي توجيهِ المرأة ووليِّها، قال – صلى الله عليه وسلم «إذا أتاكُم من ترضَون دينَه وخُلُقَه فزوِّجوه، إلا تفعَلوا تكُن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير» رواه الترمذي وابن ماجه.
وكثيرًا ما تحدُثُ المشاكلُ من جهةِ التفريطِ في تحقيق هذا التوجيه النبويِّ الكريم، وكم من الناسِ لا يُدرِك المعنى العظيم لما سمَّاه الله مِيثاقًا غليظًا، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم  «إن أحقَّ الشُّروط أن تُوفُوا به ما استحلَلتُم به الفُرُوج»؛ متفق عليه.
ومن هنا، كانت رِعايةُ هذه الميثاق والتعامُل بانضِباطٍ مُتقَنٍ بين الزوجَين، وإشاعةُ أجواءِ الأمانِ والعاطِفة من علاماتِ الزواجِ الناجِح، سِيَّما وقد توعَّد الشيطانُ بإغواءِ بني آدم والعمل على التفريقِ بين المرءِ وزوجِه.
ولكي تحصُلُ المودَّةُ والرحمةُ والسَّكَن، وليُحقِّقَ الزواجُ أهدافَه التي شُرِع من أجلِها فلا بُدَّ من تكرار التوجيهاتِ لزواجٍ ناجِحٍ – بإذن الله -.
فيا أيها الزوجان صِلا ما بينَكما وبين الله يصِلُ الله بينَكما. فكم من معصيةٍ شتَّتَت أُسرًا سعيدةً، وكم ذنبٍ أحالَها حياةً مريرةً،{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
ومن أراد الحياةَ الهانِئة فليقرأ قولَ الحقِّ – سبحانه {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}[النحل: 97].
فتأليفُ القلوبِ ليس – والله – بالأثاثِ والملبُوسَات، ومُجرَّد الكلِمات والعِباراتِ، وإن كانت أسبابًا مطلوبةً مرغوبةً، ولكنَّ الأُلفةَ من الله، والحبُّ عطاءٌ منه، كما قال – سبحانه  {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63].
الهديةُ مِفتاحُ القلوب، بها تُستجلَبُ المحبَّة، وتُعزَّزُ المودَّة، وتُدرأُ بها الضَّغِينة، ولقد أوصانَا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – بقوله «تهادَوا تحابُّوا»؛ أخرجه البخاري في “الأدب المفرد”.
أيها الزوجان! تجنَّبا المِراءَ والجِدال، وأحسِنا في الأقوال بينَكما والأفعال، وتحاوَرا بلُطفٍ ولا تتجَادَلا؛ فإن المُخالفةَ تُوغِرُ الصُّدورَ، وكثرةَ المُجادلَة تقتلُ الحبَّ والسعادةَ. وقديمًا قِيل “طُولُ المُرافَقة من كثرةِ المُوافقَة”.
إن الحياةَ الزوجيَّة ليست مُسلسلاً من المواقِف العاطِفيَّة والأحلام الورديَّة، وإن الكمالَ عزيزٌ.
وقد يختلِفُ الزوجان، وهذه سُنَّةُ الحياة وطبيعةُ البشر، إلا أن البيت الصالِحَ المُؤسَّس على التقوى، والذي عرَفَ فيه الزوجان ما لهُما وما عليهِما، لا يتأثَّرُ سلبًا بالخِلافِ؛ بل يَزِيدُه ذلك تماسُكًا، ويُكسِبُه إدراكًا ووعيًا، فيُصلِحُ الخطأَ، وتُسدُّ أبوابُ الشرِّ.
عباد الله:
الاحتِرامُ المُتبادَلُ من أقوَى علامات الاستِقرار الأُسريِّ، ومن دعائِم تثبِيتِه؛ يجبُ أن تعرِفَ المرأةُ قدرَ زوجِها وفضلَه، ومكانتَه في البيت، كما يُقدِّرُ الرجلُ وضعَ المرأة، ويُعامِلُها كشريكِ حياةٍ لا كشريكِ تِجارةٍ.
وكلُّ إحسانٍ يُقدِّمُه أحدُ الزوجَين فإنه يصنَعُ به السعادةَ لنفسِه قبلَ شريكِه، وقد قالت الناصِحةُ لابنتِها: “كونِي له أمةً يكُن لكِ عبدًا”.
التغافُلُ وغضُّ الطرفِ عن بعض الهَفَوَات مطلبٌ أساسٌ في استِقرار الأُسرة؛ فالحياةُ الزوجيَّةُ مبنيَّةٌ على التلقَائيَّةِ وعدمِ التكلُّف، والمرءُ يعترِضُه من هُموم الحياة ما يجعلُه يتصرَّفُ في بيتِه بتلقائيَّةٍ وصراحةٍ. فلا بُدَّ من التفهُّم والتقبُّل.
وإن من كَيد الشيطان ما علِقَ بالناس من لَوثاتِ الأفلام والمُسلسلات، ووسائل التواصُل والقنَوات، والتي أورَثَت رُكامًا هائِلاً من التصوُّرات الخاطِئة عن الحياةِ الزوجيَّة، وأفسَدت أخلاقَ الناس، وقرَّرَت في نفوسِ مُتلقِّيها مبادِئَ مغلُوطة، وقلَبَت المفاهِيم أبوابَ شرٍّ عظيمٍ، فضلاً عن بابِ المُقارَنات والانشِغال بالآخرين.
أما حُطام الدُّنيا؛ فكم من أُسرةٍ تمزَّقَت بسبب المال، وكم من محبَّةٍ قُتِلَت بسبب المال!!
أيها الزوج! إن عليك النفقة والسُّكنَى، وألا تُضيِّع من تعُول، واستحضِر قولَ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم «دِينارٌ أنفقتَه في سبيلِ الله، ودِينارٌ أنفقتَه في رقبةٍ، ودِينارٌ تصدَّقتَ به على مِسكين، ودِينارٌ أنفقتَه على أهلِك. أعظمُها أجرًا: الذي أنفقتَه على أهلِك»؛ رواه مسلم.
وقال – صلى الله عليه وسلم  «إن المُسلمَ إذا أنفقَ على أهلِه نفقةً وهو يحتسِبُها كانت له صدقةً».
واقتصِد في إنفاقِك يُبارِك لك الله في رِزقِك، {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26]، {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}[الإسراء: 29].
ويا أيتها الزوجة! الرِّفقَ الرِّفقَ، وإياكِ وكثرةَ الطلَبَات والرَّغَبات؛ فإنها جالِبةُ المشاكِل والمُنازَعات.
إياكِ أن تنظُرِي إلى من هم فوقَكِ في المادِّيَّات، فتسوءَ بكِ الحياةُ، ويقِلَّ شُكرُكِ لزوجِكِ ولربِّكِ، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم  «انظُروا إلى من أسفلَ منكم، ولا تنظُروا إلى من هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ ألا تزدَروا نعمةَ الله عليكُم»؛ رواه مسلم.
وما أهلكَ الناسَ كالتقليد والمُباهاة.
إن الجميعَ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى التربية قبل الزواجِ وبعدَه، على التِزامِ حُدودِ الله في النِّكاح، والتعبُّد لله بالعِشرة بالمعروف، والخُلُق الحسَن، والتعاوُن على البرِّ والتقوى، والبُعد عن الأنانيَّة والتفريطِ، وإدراكِ مفهومِ القِوامَة الشرعيِّ، وأنه حفظٌ وصِيانةٌ، وضبطٌ وتربيةٌ، وحُسنُ إدارةٍ، ومسؤوليَّةٌ يُسألُ عنها يوم القيامة، «كلُّكُم راعٍ وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّته، فالرجلُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّته، والمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زوجِها ومسؤولةٌ عن رعيَّتها»؛ متفق عليه.
وإذا صلَحَت النيَّات، وأُدِّيَت الواجِبات رفرَفَت السعادةُ وعمَّ التوفيق، ومن لزِمَ الدعاءَ، وأخلصَ لله الرجاء، فلن يُخيِّبُ الله أملَه، ولن يُضيِّعَ عملَه.
ولقد أُحِيطَت بعضُ الأعراسِ بهالةٍ من التكالِيفِ والمُبالَغات، والمُنكَرات والمُخالَفات، وتضخَّمَت المُباهاةُ حتى تجاوَزَت مِقدارَ المهرِ أضعافًا، وتُرِكَ القِيادُ فيها للنساءِ وللسُّفَهاء. فأيُّ بركةٍ تُرجَى من زواجٍ يُستفتَحُ بمعصيَةِ ربِّ الأرضِ والسماء، وهو وحدَه الذي بيدِه التوفيق؟!
إن الاختِلاط بين الرجال والنساء من غير المحارِم، وجلب المُغنِّين والمُغنِّيَات بآلاتِ الطرَبِ والمعازِفِ المُحرَّمة، وتضييعِ الصلَوات، وتساهُل النساءِ في كشفِ العَورات، والتعرِّي في لِباسِ الحَفَلات، والتصويرِ العلَنِيِّ والخفِيِّ – بقصد نشره واطلاع الآخرين على ما لا يجوز – ، كلُّ ذلك تمرُّدًا وبَطَرًا. ناهِيكَ عن الإسرافِ والمُباهاة في التجهيز والحفَلات.
لماذا كلُّ هذا؟! ألا يتمُّ الفرحُ إلا بمعصِيَة الله؟! وإن لم يُوفَّق مخذولٌ فليعلَم من أين أُتِي! إن المعاصِي والذنوبُ تُهلِكُ الدُّول، وتُزلزِلُ الممالِك؛ فكيف بالبيُوتِ الصغيرة؟!
ألا فاتقوا الله وتواصَوا بالمعروف، والزَموا الحقَّ، ولا يغُرَّنَّكم كثرةُ المُخالِفين؛ فكلُّكُم راعٍ وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّته، قال  صلى الله عليه وسلم  «إن من يُمنِ المرأةِ تيسيرُ خِطبَتها وتيسيرُ صَداقِها»؛ رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكِم.
وفي لفظٍ عند أحمد «أعظمُ النساء بركةً أيسرُهنَّ مؤونةً».

اقرأ:




مشاهدة 68