التسامح في الاسلام‎

بواسطة: - آخر تحديث: الإثنين , 24 أكتوبر 2016 - 10:11
التسامح في الاسلام‎

التسامح في الاسلام

يعتبر التّسامح أحد المبادئ الإنسانية و الأخلاقية، وما نعنيه هنا هو مبدأ التّسامح الإنساني و الأخلاقي ، كما أنّ التّسامح في دين الإسلام يعني نسيان الماضي المؤلم بكامل إرادتنا، وهو أيضاً التخلي عن رغبتنا في إيذاء الآخرين لأيّ سببٍ قد حدث في الماضي، وهو رغبة قويّة في أن نفتح أعيننا لرؤية مزايا النّاس بدلاً من أن نحكم عليهم ونحاكمهم أو ندين أحداً منهم.

والتّسامح أيضاً هو الشّعور بالرّحمة، والتّعاطف، والحنان، وكلّ هذا موجود في قلوبنا، ومهمٌّ لنا ولهذا العالم من حولنا. والتسامح أيضاً أن تفتح قلبك، وأن لا يكون هناك شعور بالغضب ولا لوجود المشاعر السلبية لأيّ شخصٍ أمامك. وبالتسامح تستطيع أن تعلم بأن جميع البشر يخطئون، ولا بأس بأن يخطئ الإنسان. والتسامح في اللغة معناه أيضاً التّساهل؛ فبالتّسامح تكون لك نصف السعاده، وبالتّسامح تطلب من الخالق أن يسامحك ويغفر لك.

فإن التسامح في دين الإسلام بين المسلمين أمر معروف وواضح، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، والتسامح في هذا الدين نصوصه كثيرة ومشهورة، والذين إذا ما غضبوا هم يغفرون، {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِسورة} الشورى40. وتنازل المسلم لأخيه المسلم عن حقه مما يؤجر عليه عند الله ويزداد به في الدنيا والآخرة، وأما تسامح المسلمين مع غير المسلمين فإنها قضية لا بد من تسليط الضوء عليها حتى لا تختلط الأمور، ولا يحدث الانسياق وراء عدد من المروجين لأفكار أعداء الإسلام، أو المنهزمين من المسلمين، فما هو حدود التسامح تجاه أعداء الإسلام أو غير المسلمين في هذه الشريعة، ما هي حدود التسامح بين المسلم والكافر، ما معنى سماحة الإسلام، ما معنى أنه دين التسامح، ما هو المقصود بهذه العبارة وما هو حكم الشريعة فيها.

التسامح في القرآن الكريم

إن الإسلام الذي جاء به رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم وقدمه ذلك التقدم الملحوظ حمل بين طياته قوانين عدة مهمة عملت على نشره في شتى أرجاء العالم الأكبر.

فمن أشهر هذه القوانين المهمة التي كان لها الدور الأكبر والطائل في تقدم المسلمين في مختلف الميادين هو قانون: اللين واللاعنف والتسامح الذي أكدت عليه الآيات المباركة فضلاً عن الأحاديث الشريفة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام.

ففي القرآن الكريم هناك أكثر من آية تدعو إلى اللين والسلم ونبذ العنف والبطش، فقد أشار المجدد الثاني الإمام السيد محمد الشيرازي إلى هذه الآيات في كتابه اللاعنف في الإسلام، وهذه الآيات بطبيعة الحال تحث الإنسان على إجتراح هذه الطريق الشائكة، (ولا نزال نرى في القرآن الحكيم خير دعوة علمية وعملية إلى اللاعنف والسلم) كما هي وجهة نظره (قدس سره).

وهنا أسجل بعضاً من هذه الآيات ليتدبرها القارئ

  • يقول سبحانه وتعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
  • ويقول (وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا).
  • ويقول (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
  • ويقول (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ).
  • ويقول (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).
  • ويقول (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ).
  • ويقول (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) إلى غيرها وغيرها من آيات الذكر الحكيم.

التسامح في السنة النبوية

أما التسامح من وجهة نظر السنة النبوية فإنه يتشارك مع ما جاءت وحملته هذه اللفظة لغوياً فأن معنى التسامح هو التساهل والمساهلة في كل جوانب الحياة لذلك جاء قول الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم(رحم الله امرئ سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى).

إن سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم وأهل بيته عليهم كانوا أبرز تجلٍّ ومصداق لسلوك منهجية السلام والتسامح في الأمة؛ فالرسول الأكرم صلى الله عليه وعلى اله وسلم قائد الحركة السلمية اللاعنفية الأولى في تاريخ العالم.

وهو صلى الله عليه وعلى اله وسلم حامل راية السلم والسلام لأنه يحمل للبشرية النور والهداية والخير والرشاد والرحمة والرأفة فيقول صلى الله عليه وعلى اله وسلم(إنما أنا رحمة مهداة) ، ويتحدث القرآن الكريم عن رسالته فيقول(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)  ، فأن الرحمة والسلم والسلام جاء بها الإسلام للناس كافة.

وكثرة لفظ وتكرار السلام على هذا النحو مع أحاطته بالجو الديني النفسي من شأنه أن يوقظ الحواس جميعها ويوجه الأفكار والأنظار إلى المبدأ السلمي العظيم.

وقد أهتم علمائنا في تدوين كل ما يتعلق في ذلك فقد ألّف حول ذلك الإمام الشيرازي(قدس سره) كتاباً عن تاريخ الرسول الأعظم صلى الله عليه وعلى اله وسلم، وهو تحت عنوان (ولأول مرة في تاريخ العالم)؛ لأنه لأول مرة في التاريخ، وبعد فترة من الرسل ظهرت هذه الحركة السلمية الشاملة، والإلهية المباركة، بقيادة الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم، وبهذا الشكل الذي لا يزال يتفاعل في النفوس، ويترك أثره الطيب في العالم حتى اليوم).

ويتبنى هذه الرؤية أيضاً الباحث (خالص جلبي) إذ يشير إلى (أن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم كان صاحب أعظم ثورة لاعنفية، في تاريخ الجنس البشري، نجح فيها نجاحاً كاملاً، وأقام النظام السياسي، بدون انقلاب عسكري، وجيوش وأسلحة، وحروب وغزوات، وبدون سفك دماء).

فهذا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في أمر الخلافة (لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري والله لأُسلِّمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جورٌ إلاَّ عليَّ خاصة التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجة).

كما أن علياً عليه السلام هو الذي هتف بأمرٍ من الرسول صلى الله عليه وعلى اله وسلم -عندما فتح المسلمون مكة المكرمة- بشعار (اليوم يوم المرحمة اليوم تحمى الحرمة.. ) بعد أن ردد سعد بن عبادة شعاره الجاهلي (اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة)!.. وللقارئ أن يتأمل الفرق الكبير والشاسع بين الشعارين!! ليطمئن إلى أن السلم واللاعنف خيار استراتيجي في الإسلام، (ولذا نرى أن الأنبياء والأئمة عليهم السلام والمصلحين كانوا يجنحون للسلام لا قبل قدرتهم بل حتى بعد قدرتهم).

المعنى الشامل للتسامح

إن المفهوم العام للتسامح لا يعني بالضرورة أن يرتبط بالجانب الاجتماعي على حساب جوانب الحياة الأخرى فكثيراً ما تستخدم هذه الكلمة في المسائل الاجتماعية حتى أنها توحي بأنها من مفرداتها أو من مصطلحاتها، ألا أنه من المصطلحات ذات المعنى العام والشمولي، إذ لا يقتصر على الجانب الاجتماعي فحسب أنما يتعداه إلى الجانب والاقتصادي وحتى السياسي، وله علاقة عامه وشمولية في كل جوانب العلم والمعرفة وله دور في مختلف أبعاد الحياة.

حلات لايجوز فيها التسامح مع الكفار

التسامح إلى أي حد؟ لا شك أن التسامح مع أعداء الإسلام له حدود معينة، وهذه القضية التي يريد عدد من المنافقين والكفار أن يضيعوها، ويريدوا أن يقولوا أنه تسامح على طول الخط مهما فعل الكفار ومهما قاموا به تسامح على طول الخط، من الذي قال ذلك، وفي أي كتاب من كتب الشريعة هذا؟ أين الآية أو الحديث الدال عليه؟ بل إن الآيات والأحاديث تدل على خلاف ذلك، أنه يوجد حالات لا تسامح فيها مع الكفار، إطلاقاً والتسامح حرام وخزي وذل لا يجوز للمسلمين أن يفعلوه، فلما نقض بنو قينقاع العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغدر الصائغ ويهود بني قيقناع بالمسلمين واستصرخ المسلم أهل الإسلام قاموا إليهم، ونابذوهم وهكذا كانت الحرب على بني قينقاع لغدرهم، ولما قام بنو النضير بمحاولة أخرى غادرة أيضاً وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إليهم مع بعض أصحابه من أجل أن يتحاوروا حوار الأديان واشتمل اليهود على الخناجر يريدون الانفراد بالنبي عليه الصلاة والسلام يتقدم ثلاثة ويتقدم النبي صلى الله عليه وسلم لمحاورتهم فيجهزوا عليه، اشتمل اليهود على الخناجر، فجاء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤامرة فرجع وتجهز وغزا بني النضير، وحرق نخيلهم إخزاءً لهم وفتاً في عضدهم، وحاصرهم حتى نزلوا على الجلاء، فخرجوا من ديارهم يجرون أذيال الخيبة والهزيمة وغادروا تلك الحصون والقلاع وسُلمت بالكامل للمسلمين، وبنو قريظة وما أدراك ما بنو قريظة عندما جاءت الأحزاب فحاصروا المدينة وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد عاهد يهود بني قريظة من قبل حتى تستتب له الأمور فلما قام اليهود بالغدر والممالئة وممالئة كفار قريش على نبي الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا العهد وخالفوا الشروط بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم جاء جبريل بالأمر بالقتال وأخذ يهود بني قريظة بعد الحصار وهكذا من أنبت منهم الشعر الدال على بلوغه قُتل فقتل رجالهم أجمعين، وهكذا حكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه بحكم الملك من فوق سبع سماوات، بحكم الملك من فوق سبع سماوات، إذاً هذه حالات لا تسامح فيها أبداً، إذا غدروا لا مسامحة البتة.

مثال آخر قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة وسكنوا فيها، هؤلاء الأعراب وأظهروا الإسلام، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أمر لهم بلقاح أعطاهم مجموعة من الإبل من بيت المال صدقة يتصدق عليهم من ألبانها ليشربوا منها، وأعطاهم راعياً مع الإبل يخدمهم، هؤلاء لما صحوا ورجعت إليهم العافية قتلوا راعي النبي عليه الصلاة والسلام وفقأوا عينه، وارتدوا عن الإسلام وأخذوا الإبل سرقوها وهربوا بها، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار، فبعث في آثارهم فلما ارتفع النهار جيء بهم، قوة المسلمون ما تعالى النهار إلا وجميع الكفار مرصوصين عند النبي صلى الله عليه وسلم، موثقين، جيء بهم قدرة على الإتيان بالمجرمين فوراً، ما تعالى النهار إلا وهم مقيدون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل هناك تسامح؟ هل هناك تسامح في هذه الحالة؟ إطلاقاً، ماذا فعل هؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم كحلوا بمسامير الحديد المحماة وفقئت أعينهم كما فعلوا بالراعي، قصاصاً ثم ألقوا في الحرة على الصخور الحامية يستسقون الماء فلا يسقون وينزفون حتى الموت، جزاءً وفاقاً بما فعلوا. والحديث في البخاري ومسلم.

ابن خطل الذي كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يوجد تسامح مع الذي يسب النبي عليه الصلاة والسلام، دخل عام الفتح صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، هذا الكافر الآن يلوذ بالكعبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اقتلوه، رواه البخاري ومسلم. قتلوه يؤخذ من الكعبة ويقتل لا مسامحة، لماذا؟ كان مسلماً فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم مع أحد الأنصار وأعطاهم خادماً وفي الطريق قام ابن خطل فغضب عليه وقتله وارتد عن الإسلام واتخذ جاريتين تغنيان بهجاء النبي عليه الصلاة والسلام، فكان الجزاء من جنس العمل جزاءً وفاقا، وهكذا لما جاء عقبة بن أبي معيط الذي كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبه جيء به مقبوضاً عليه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يقتله فقال الكافر ساب النبي عليه الصلاة والسلام يا محمد من للصبية، أولادي الصغار، هل هناك تسامح، من للصبية قال ( النار)، النار لك وهكذا قُتل هذا الرجل. والحديث رواه أبو داود، وهو حديث حسن صحيح، النار عبارة عن الضياع إن صلحت النار أن تكون كافلة فهي فيها، إن صلحت النار أن تكون كافية لصبيتك تصلح أنت عندئذ لكفالتهم، ليس لك بقاء على وجه الأرض ولا تستحق المعيشة، ويقتل وهكذا لما قامت امرأة تشتم النبي صلى الله عليه وسلم عند رجل أعمى من المسلمين فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم تلك المرأة وقال (ألا اشهدوا أن دمها هدر). رواه أبو داود. فلا تسامح في الحدود الشرعية وساب النبي عليه الصلاة والسلام يقتل وهكذا يقام الحد ولا تسامح، حد الردة أيضاً ولذلك لما جاء معاذ بن جبل إلى أبي موسى وهما باليمن فألقى أبو موسى وسادة إكراماً لمعاذ، قال انزل وإذا رجل عنده موثق قال: “ما هذا؟” قال: “كان يهودياً فأسلم ثم تهود، ارتد، اجلس”، قال: “لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات”، فأمر به فقتل، حد الردة لا بد أن يقام والحدود الأخرى أيضاً إذا بلغت الحاكم والقاضي لا شفاعة ولا تسامح أتشفع في حد من حدود الله، إذاً القضية أيها الأخوة: واضحة جداً لا يمكن التسامح في هذه الحالات، فمن زعم أن التسامح على طول الخط فهو ضال مضل كذاب مفترٍ على هذه الشريعة، هناك رحمة في الدين نعم، لعن الله من فرق بين والده وولدها، لا يباع الطفل ولو كان في السبي وتباع أمه إلى شخص آخر، يباعان جميعاً، لا يفرق بين الوالده وولدها، حتى في سبيل الكفار رحمة بالوالدة، هناك تسامح في حالات كما مر معنا نعم، ولكن في الحالات الأخرى لا، فينبغي أن نعرف إذاً ما حقيقة التسامح في دين الإسلام. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتخلقين بأخلاق هذا الدين. اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مؤمنين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

اقرأ:




مشاهدة 112