أول منازل الآخرة‎

بواسطة: - آخر تحديث: الخميس , 27 أكتوبر 2016 - 10:35
أول منازل الآخرة‎

أول منازل الآخرة

إن الموت حق، وهو القضية العظمى التي أسهرت العباد، وأقضت مضاجع الزهاد، ونغصت على العقلاء حياتهم، وكدرت على المتقين معاشهم ويشرع بعد موت المسلم أن يغمض، ويغسل، ويكفن، ثم يدفن في القبر، فالدفن مكرمة للميت. وقبل ذلك يجب على الإنسان أن يوصي خصوصا إذا كان عليه حقوق للناس، ويجب على أوليائه أن ينفذوا تلك الوصية كما هي بلا تحريف ولا تغيير.

الموت سيعم الكل

إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا

جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

يعني أنهم نظروا للدنيا فرأوها على حقيقتها كاللجة، أي مثل البحر الزخار بالأمواج، فأصبح المؤمن فيها ينظر كيف ينجو في هذا البحر، ولا ينجو إلا بصالح الأعمال, إذا فصالح الأعمال هي السفن التي يستطيع أن يرسو بها على بر السلامة اللهم أوصلنا جميعا والمسلمين إلى بر الأمان يا رب العالمين.

إذا إن جعلت الموت أمامك فإنك ستسرع بالتوبة، وهناك نقطة أهم وهي أنك إذا كنت كذلك فلن تعمل ذنوباً جديدة؛ لأنك ترى الموت أمامك، فتقول لنفسك ما دام الموت ينتظرني، وما دام أن العلماء علمونا أن أمورا أربعة وهي أن الموت يعمنا، وأن القبر يضمنا، وأن القيامة تجمعنا، وأن الله يفصل بيننا، إذا فلن أعمل الذنوب والمعاصي.

إذا فالموت سيعم الكل، لذلك قلنا إنه من إساءة الأدب مع الله تعالى أن يقول مسلم من المسلمين إن ربنا افتكر فلاناً  لأن الله لا ينسى{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا }[مريم:64] فالموت حق، والساعة حق، ومحمد حق، والقرآن حق، والجنة حق، والنار حق، وأن الله هو الحق المبين.

القبر سيضم الكل

والقبر يضم الغني والفقير، والرئيس والمرءوس، قال الشاعر

ولقد قلت لنفسي وأنا بين المقابر هل رأيت الأمن والراحة إلا في الحفائر

فنظرت فإذا الدود عبث في المحاجر ثم قالت أيها السائر إني لست أدري

انظري كيف تساوى الكل في هذا المكان وتساوى العبد مع رب الصولجان

والتقى العاشق والقالي فما يفترقان ثم قالت أيها السائل إني لست أدري

فقد استوى الكل الشاكي والمشكو في حقه، والظالم والمظلوم، والرئيس والمرءوس.

القيامة تجمع الكل

والقيامة تجمعنا، فهي تجمع الناس من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كلهم يقف أمام من بيده الأمر كله، وليس هناك محامٍ ولا استئناف ولا واسطة، وكان سيدنا أبو بكر يقول يا رب! لا وزير لك فيؤتى، ولا حاجب لك فيرشى، وليس لنا ملجأ إلا إليك.

الله يفصل بيننا يوم القيامة

والله يفصل بيننا، قال رسول الله {يا أبا ذر ! قال نعم يا رسول الله! قال له أتدري فيم ينتطحان -أي عنزة تنطح عنزة أخرى- قال لا، قال ولكن الله يدري، وسيفصل بينهما يوم القيامة}.

والعلماء توقفوا عند هذا الحديث الذي يخوف، لأن البهائم ليست مكلفة، وإنما كلف الإنس والجن، وهؤلاء هم الذي سيحاسبون يوم القيامة، إذاً فهذا الحديث كناية عن إقامة الحق يوم القيامة، فالملك يومئذ لله سبحانه وتعالى، فالدنيا فيها ظلم، لكن يوم القيامة يقول {ربنا لا ظلم الْيَوْمَ }[غافر:17]، ولذلك جاء في الحديث (ولو بغى جبل على جبل لدك الله الباغي، ولو نطحت شاة قرناء شاةً جلحاء) أي: لو شاة بقرنين نطحت شاة من غير قرون، (لاقتص الله من هذه لتلك، ثم قال لها كوني تراباً، فيقول الكافر يومها{ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} [النبأ:40]) أي أنه يقول يا ليتني كنت بهيمة، يا ليتني كنت معزة، يا ليت كنت حماراً حتى ينجو من عذاب الله عز وجل.

اللهم أنجنا من عذابك، وأبعدنا عن نار جهنم، وأدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، فنحن ضعفاء يا مولانا وقوي يا رب في رضاك ضعفنا، فأحسن عاقبتنا في الأمور كلها يا أكرم الأكرمين، إنك يا مولانا على كل شيء قدير.

فالله يفصل بيننا، وذلك يكون بالحسنات والسيئات، فكل التعاملات يوم القيامة تكون بالحسنات والسيئات، فهو تعالى{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} و(خائنة الأعين) مثل الذي ينظر خفية ولا أحد يراه، لكن الله يراه، ولذا فـحاتم الأصم قال له ابن أخته علمني الذي يرضى به عني، فقال له يا بني هي ثلاث كلمات، قل دائماً الله ناظر إلي، الله شاهد علي، الله مطلع علي، فالله تعالى يقول{ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ }.

والله يفصل بيننا، فلما أرى الموت أمامي فإني أعجل بالتوبة ولا أعمل ذنوبا لأن الله سبحانه يراني، يا رب إن رأيتني أغادر مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر لي رجلي، فإنها نعمة تنعم بها علي، هكذا دعوة الصالحين، اللهم جنبنا المعاصي، يا من يحول بين المرء وقلبه حل بيننا وبين معاصيك، وتب على كل عاص يا رب، واهد كل ضال، واهدنا معهم يا رب العالمين.

ولذلك فإن عليا كان يخاطب ربنا ويقول ما أوحش الطريق على من لم تكن دليله! وما أضيق الطريق على من لم تكن أنيسه! وهي من الأنس وهو الظهور، أي ظهرت لنا، فتخيل أن الله آنسك، أي ظهر لك، فترى الله في كل حركة، فإذا أردت أن تعمل الحرام تذكرت أن الله يراك فتقلع إذا فالمؤمن يكون وقافا عند حدود الله عز وجل، فما أوحش الطريق على من لم تكن رفيقه، فما دام ربنا ليس دليلاً لك فمن سيكون دليلك.

إذاً إذا كان الموت أمامي فإني أعجل بالتوبة ولا أعمل الذنوب، فالعبد المسلم ما دام أن الموت أمامه يبقى نشيطاً في العبادة، فما هو الذي يجعلك تذهب إلى الجامع وتقوم بالليل وتصلي وتقرأ جزءاً من القرآن، وتتقي الله وتغض البصر، وتسد آذانك عن الحرام، لماذا هذا كله؟ لأنك تعتقد أن ربنا قد يميتك فجأة، وما دام سيأخذك فجأة فعليك أن تكون مستعداً للقاء الله.

وقال أهل العلم لا راحة للمؤمن إلا بلقاء الله عز وجل، أي أن المؤمن لا يستريح إلا عندما يلقى الله، وهذه المدة قد تطول، فيمكن تلقى الله بعد عشرين سنة، أو بعد سنة، أو بعد أسبوع، أو بعد مائة سنة، فربنا من رحمته جعل لنا لقاءات متكررة؛ من أجل أن نلتقي بالله ونستريح، فلا راحة للمؤمن إلا بلقاء الله.

وربنا لقاؤه يكون غصباً عنك، فمفروض عليك أن تلقاه خمس مرات في اليوم: في الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه خمسة أوقات تلقى الله فيها، وتقف بين يدي الله فيها، فأنت تتكلم والله يسمع، وأنت تدعو والله يجيب، وأنت تقرأ والله يستمع إليك، ولذلك قال لما يؤذن المؤذن (يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أشعلتموها على أنفسكم بالذنوب وأطفئوها بالصلاة).فأنت حين تعمل الذنوب فإنها توجب أنك تحترق، فإذا صليت أطفأت تلك النار التي كدت أن تحرق بها نفسك، اللهم أطفئ عنا نيران الدنيا ونيران الآخرة يا رب العالمين.

فإذا كان الموت أمامي فإن الله سبحانه وتعالى سيجعلني نشيطاً في العبادة إلى أن ألقاه، فالجنة تحتاج إلى عبادة، فأنت عندما تأتي إلى الجامع في المغرب فإنك تأتي من أجل عبادة الله، وأن تعمر بيت الله، فتقعد مع الإخوة الصالحين، فتحيط بك الملائكة، وتنزل عليك السكينة، وتأخذ كلمة تهديك وتجعلك في عداد التائبين، والله عز وجل يفاخر بك ملائكته ويقول لك (يا عبدي أنت عندي كبعض ملائكتي)، وهذه من كرم الله عز وجل عليك والمؤمن يكون عنده يقين في الله فلا يحزن، ولا تكتئب من طول الدنيا، ولا تقل في الشهر القادم من أين سنأكل؟ لا تهم الغد فإنما الغد بيد الله، ومن رزقك اليوم فإنه قادر على أن يرزق غدا.

اقرأ:




مشاهدة 88