سجود السهو‎

بواسطة: - آخر تحديث: الأربعاء , 02 نوفمبر 2016 - 11:39
سجود السهو‎

مقدمة

يتعرض كثير من المسلمين للنسيان أو السهو عند أدائهم عباداتهم، والسّهو هو نسيان الحاضر، ولا يخلو من دس ونزغ من الشّيطان. فكثير من الناس يسهون عند قرائتهم للقرآن، أو في الوضوء، أو عند قيامهم بالصلاة، وهنا سوف نتحدّث عن السهو في الصلاة وما يترتب عليه من تصحيح وتقويم للخلل الحاصل بها وفق المداهب الأربعة.

تعريف سجود السهو

السهو “السجود” في اللغة هو الخضوع، واصطلاحًا وضع الجبهة على الأرض تعبّدًا، وأمّا “السَّهو” فهو الغفلة والذهول عن الشيء أما في اصطلاح الفقهاء، “فالسهو” هو خلل يوقعه المصلّي في صلاته، سواء كان عمداً أو نسياناً، ويكون السجود جبراً لذلك الخلل.

و”سجود السهو” هو أن يأتي المصلِّي بسجدتين متواليتين كسجود الصَّلاة قبل السَّلام أو بعده بحسب الكيفية المختلف عليها بين المذاهب الفقهية الأربعة الآتي ذكرها، وإنما سُمِّي سجود السَّهو بذلك، لأن الغالب أن الإنسان لا يترك بعض صلاته عمداً، بل يكون ذلك عن نسيان منه وغفلة.

سجود السهو في المدهب الحنفي

قبل التطرق لطريقة و كيفية ترقيع الصلاة في المذهب الحنفي، يجب أن نشير إلى أن حكم سجود السهو عند هذا المذهب هو الوجوب. و لقد شرع سجود السهو ترغيما للشيطان أي لإغاظته و إذلاله لكونه شغل الإنسان عن صلاته.
فيما يعتبر المذهب الحنفي أن مكان سجود السهو هو بعد السلام مطلقا، و استدلوا على ذلك بخبر ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين”. حيث يكون سجود السهو عند الجلوس الأخير بعد أن يقرأ المصلي التشهد دون الصلاة الإبراهيمية، و يسلم على يمينه فقط و يأتي بعد ذلك بسجود السهو و هو عبارة عن سجدتين كسجود الصلاة، و بعد ذلك يعيد التشهد مع إضافة الصلاة الإبراهيمية ثم يختم صلاته بالتسليم سلامين.
و هذه هي الطريقة المستحبة عند الحنفية للاتيان بسجود السهو أي أن يكون بعد السلام سواء كان سببه الزيادة أو النقص أو الشك، و إن أتى المصلي بهذا السجود قبل السلام فقد خالف الأفضل إلا أنه أمر مسنون لأنه قد أداه بعد إتمام أركان الصلاة، و لكن يحسب عليه أنه ترك سنة سجود السهو و هي أداءه بعد السلام.

سجود السهو في المدهب الشافعي

لقد فصل المذهب المالكي في توضيح حكم سجود السهو و ذلك بتفريقهم بين السجود للنقص، والسجود للزيادة، فالأول عندهم واجب، والثاني مسنون. و لقد خصصنا هذه الفقرة من المقال لتوضيح كيفية ترقيع الصلاة في المذهب المالكي.
وأما محل سجود السهو عند المذهب المالكي فهو قبل السلام إن كان السهو نقصانا. أما إن كان زيادة فيسجد المصلي سجود السهو بعد السلام، وإن اجتمعا كمن ترك التشهد الأول ثم قام إلى خامسة، سجد قبل السلام ترجيحا لجانب النقص.
وصفة سجود السهو أنه سجدتان لا أكثر ولا أقل، فيكبر ثم يسجد ثم يرفع ثم يسجد ثم يرفع ويتشهد -قبليا كان أو بعديا- ويقول فيهما مثلما يقول في سجود الصلاة “سبحان ربي الأعلى”.
ثم إن سجود السهو عند المالكية إذا كان قبل السلام فلا يحتاج إلى نية لأن نية الصلاة تكفي لكونه بمنزلة جزء من الصلاة عندهم، أما إن كان بعد السلام فإنه يحتاج لنية لكونه خارجا عن الصلاة وهم في ذلك متفقون مع الحنفية في أن النية لازمة لسجود السهو بعد السلام.

سجود السهو في المدهب المالكي

تفق المذهب الشافعي مع المذهب المالكي في كون سجود السهو سنة و ليس واجب، كما يقولون بأن السجود يكون قبل السلام في كل الأحوال. أما عن كيفية ترقيع الصلاة في المذهب الشافعي فيكون بأن يأتي المصلي بسجدتين كسجود الصلاة قبل السلام وبعد التشهد والصلاة على النبي وآله، بنية وتكون النية بقلبه لا بلسانه لأنه إن تلفظ بها بطلت صلاته. وعلل هذا المذهب ذلك بكون سجود السهو شرع لإصلاح الصلاة فكان قبل التحلل منها. الشافعية يقولون أنه قبل السلام والحنفية يقولون بل هو بعده والشافعية يقتصرون على السجدتين، والحنفية يقولون لا بد من التشهد والجلوس. وبهذا يكون الشافعي متفق مع الحنفي في اشتراط النية لسجود السهو ويختلفان فيما عدا ذلك.

سجود السهو في المذهب الحنبلي

أما الحنابلة فقد ذهبوا بالقول إلى وجوب سجود السهو لما يبطل الصلاة عمده من الزيادة أو النقص كترك التكبير والتسميع ونحوهما. و قد قيل في المغني: “وسجود السهو لما يبطل الصلاة عمده واجب”، فيما يندب عندهم لمن ترك واجبا سهوا كالتسبيح في الركوع والسجود، ويباح لمن لحن لحنا يخل بالمعنى سهوا أو جهلا. أما عنكيفية ترقيع الصلاة في المذهب الحنبلي فتكون بأن يكبر المصلي ويسجد سجدتين وهذا القدر متفق عليه، ويجوز أن يكون قبل السلام وبعده لسبب من الأسباب، حيث يكون سجود السهو قبل السلام مطلقا إلا في صورتين: إحداهما أن يسجد لنقص ركعة فأكثر في صلاته فإنه يأتي بالنقص ثم يسجد بعد السلام. و ثانيتهما أن يشك الإمام في شيء من صلاته ثم يبني على غالب ظنه فإن الأفضل في هذه الحالة أيضا أن يسجد بعد السلام ويكفيه لجميع سهوه سجدتان وإن تعدد موجبه وإذا اجتمع سجود قبلي وبعدي رجح القبلي. ثم إن كان السجود بعديا فإنه يأتي بالتشهد قبل السلام وإذا كان قبليا لا يأتي بالتشهد في سجود السهو اكتفاء بالتشهد الذي قبله .

سجود السهو عند جمهور العلماء

في هذه الفقرة سنتطرق لطريقة و كيفية ترقيع الصلاة عند جمهور العلماء، فرغم الاختلاف الحاصل بين أئمة المذاهب الأربعة فإن هناك نقاط اعتمدها جمهور العلماء المسلمين، فقد أجمعوا على أن سجود السهو واجب بالجملة، لما ورد عنِ ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: “صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة زاد فيها، أو نقص منها، فلما أتم قلنا: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: “فثنى رجله فسجد سجدتين”، ثم قال: “لو حدث في الصلاة شيء لأخبرتكم به؛ ولكن إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا أحدكم شك في صلاته فليتحرى الصواب، وليبن عليه، ثم ليسجد سجدتين”. كما أنهم اتفقوا جميعا على أن سجود السهو عبارة عن سجدتين يسجدهما المصلي لجبر الخلل الحاصل في صلاته من أجل السهو، و هذا السجود كسجودِ الصلاة في الهيئة والذكر. ويجب سجود السهو على المنفرد والإمام. كما اتفق أهل العلم على أنه ليس بعد سجود السهو تشهد وذلك لأن سنة السجود الواحد أن لا يكرر فيه التشهد مرتين. كما يشرع السلام من سجدتي السهو، وذلك باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة. فعن عمران بن حصين رضي الله عنه: “أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم سلم”، بالإضافة إلى أنه يشرع التكبير لسجود السهو، والرفع منه. و فيما يتعلق بموضع و محل سجود السهو فهناك قولان في هذا الخصوص و هو ما اجتمع عليه أهل العلم، فالقول الأول يقول بأن سجود السهو يكون قبل السلام إن سها المصلي بنقص، فيما ذهب القول الثاني إلى أنه يكون بعد السلام لمن سها بزيادة.

خاتمة

و خلاصة لما سبق فإن سجدات السهو التي يجب معرفتها والتقيد بها هي سجدتين تؤديان كما يؤدى سجود الصلاة و لقد شرع لأنه لا يوجد إنسان لا يسهو، لذلك لا بد من معرفة أنواع السهو ومتي تستخدم حتى لا تكون صلاتنا باطلة أو يشوبها الخطأ، وعلينا أن نتبع رسولنا الكريم فهو خير من يُتبع، ولا ننسى أن للصلاة واجبات لا بد أن نتمها حتى لا تتكرر لدينا الأخطاء أو الشكوك. فالشيطان يوسوس لنا ويحاول أن يثنينا عن طريق الهداية، ولكن لن يستطيع ما دمنا متمسكين بقرآن رب السماء وسنة نبيه محمد صلي الله عليه وسلم.

اقرأ:




مشاهدة 199