أكمل أعط الخبز لخبازه‎

بواسطة: - آخر تحديث: الأحد , 24 يوليو 2016 - 07:40
أكمل أعط الخبز لخبازه‎

أعط الخبز لخبازه ولو أكل نصفه.

أعط الخبز لخبازه حتى ولو أكل نصفه، عبارة كان يرددها أبو علي قبل أن يرتكب كل حماقة من حماقاته، وقد كان يساعده في ذلك تاريخه الطويل المجهول تماما لأهل القرية، ففي بيت صديقه هاني الدكنجي وبينما كان يرشف أول رشفة من كأس الشاي ألقى نظرة باتجاه التلفزيون وطلب من هاني:

  • شغل التلفزيون لكي نشاهد الأخبار.
  • التلفزيون معطل.

أجابه هاني، فما كان من أبي علي إلا أن وقف ودار حول جهاز التلفزيون متأملا شيئا ما ثم وضع يديه على خاصرتيه وقال:

  • عندما تتعطل الآلة يصلحونها، لماذا لم تصلحه حتى هذه اللحظة؟
  • عرضناه على صابر المصلح فقال يلزمه تغيير قطع، خذوه إلى المدينة.
  • ومنذ متى اصبح صابر معلما؟

قال أبو علي بنبرة لا تخلو من السخرية وجلس القرفصاء قبالة جهاز التلفزيون وأخذ يتأمل شيئا لا أحد يعلم ما هو إلاه، ثم أضاف جملته الثانية التي يقولها دائما للتعبير عن جهل الشخص موضوع الحديث:

  • شو بيفهم الحمير بأكل الجنزبيل؟!

ومد يده إلى الخلف :

  • أعطني مفكا.

شعر هاني بالقلق عندما طلب أبو علي المفك وسأله:

  • أبو علي.. انت تفهم في التلفزيونات؟
  • أنا لولا ضعف حاسة البصر التي ابتليت بها بعد داء السكري لكنت اشهر مصلح للتلفزيونات في الشرق الأوسط، أنا كان عندي أكبر ورشة تصليح تلفزيونات في ساحة الدباس في بيروت، كانوا يحضرون لي أجهزة التلفلزيون من جميع مدن وقرى لبنان.. وأحيانا كانوا يجلبون لي الأجهزة من المهجر.. عندما يعجز عن تصليحها الأجانب.

كان أبو علي يتحدث بثقة لا تترك للضحية مجالا للشك ولو بنسبة واحد بالمئة، والحقيقة ان أبا علي عمل بالفعل لمدة سنتين في ساحة الدباس في بيروت، ولولا اندلاع الحرب الأهلية لبقي هناك حتى الآن، ولكنه بطبيعة الحال لم يكن يملك ورشة تصليح تلفزيونات، وإنما كان آذنا في فندق يدعى نزل سيف الدولة وكانت مهمته تنظيف الغرف والمنافع.

ناوله هاني المفك فبدأ أبو علي بمحاولة فك الغطاء الخلفي للجهاز، ولكنه لم يفلح فعلق:

  • البراغي بايظة.

ثم وضع المفك بين الغطاء والجهاز وأخذ يحركه ذات اليمين وذات الشمال بحذر لكي يخلع الغطاء دون كسره، غير أن الحذر لم ينفع، فقد انكسر نصف الغطاء البلاستيكي وسقط على الأرض بينما بقي النصف الآخر معلقا  بالجهاز، أما هاني فقفز من مكانه رغم أنه لم يكن يجلس، وصاح:

  • ماذا فعلت يا أبا علي.

فاجابه أبو علي ببرودة بالغة:

  • لا تقلب لي حاجبيك، لم يحصل إلا الخير.. بعد أن اصلح لك التلفزيون أقوم بلحمه، هذه أسهل قطعة في التلفزيون.

اطمأن هاني قليلا وشعر بعد كلام أبي علي بأنه جاهل، وللحقيقة والتاريخ ولكي نكون اكثر دقة فإن هاني لم يشعر بنفسه جاهلا، وانما شعر أنه حمار وتولد في داخله إعجاب خفي بأبي علي الذي يتحدث بثقة بالغة في النفس، وصمت بعدها مكتفيا بمراقبة ما يفلعه أبو علي، الذي كان بعد كل محاولة لفك شيء ما يعلق:

  • البراغي بايظة.

ثم يدك المفك بين القطعة والهيكل ولا يلبث ان يفصلها بعد أن يكون قد كسر جزءا منها.

باختصار بعد ما يقارب النصف ساعة كانت جميع قطع التلفزيون قد تجمعت أمام أبي علي وقد انكسر جزء من كل منها، وعندما لم يبق شيء قابل للفك وقف أبو علي الذي كان لا يزال  يجلس القرفصاء وتساءل:

  • صناعة أين هذا التلفزيون؟
  • المانيا.

أجاب هاني واضاف:

  • جلبه الولد معه عندما ذهب في الدورة التي ارسله إليها معمل السجاد.

فما كان من أبي علي إلا ان لوى عنقه، وهي حركة كان يقوم بها كلما قرر أن يعرب عن استغرابه من أمر ما:

  • ومنذ متى اصبح الألمان يفهمون بالتلفزيونات؟! التلفزيونات خلقت لليابانيين.. فليصنع الألمان السيارات، لماذا يعتدون على كار اليابانيين والأميركان..
  • ماذا نفهم من هذا الكلام؟

قال هاني وقد تسرب إلى نفسه القلق، فجلس أبو علي وتناول كأس الشاي الذي برد وقال:

  • لو قلت لي منذ البداية أن التلفزيون شغل المانيا لقلت لك ارمه في القمامه، أنا لا امد يدي إلى تلفزيون صناعة المانية.. الألمان لا يفقهون بالتلفزيونات.. إرمه في القمامة، فمكانه الطبيعي هناك.

من الطبيعي أن هاني، في تلك اللحظة  بالذات كان يتمنى أن يسقط على أبي علي صاروخ يسحقه ولا يبقي منه أثرا، ولكنه لم يكن ليفعل ذلك بضيفه بشكل شخصي، لأن ذلك غير لائق بحسب الأعراف السائدة فاكتفى بالقول:

  • لعنة الله على هؤلاء الألمان ما أغباهم.

وغني عن القول إن أبا علي تصنع أنه ليس هو المقصود في هذا الكلام، وودع هاني ناصحا اياه بشراء تلفزيون ياباني.

أمام بيت آل شريمان لاحظ أبو علي هرجا ومرجا فهرع إلى هناك ليجد الجيران والأهل مجتمعين حول ابنهم اليافع حسام، الذي سقط ويشعر بالم في رجله:

  • ما الذي حصل بالضبط؟

التفت الجميع باتجاه الصوت فوجدوا أبا علي يقف وقد وضع يديه على خاصرتيه ثم اجابه الأب:

  • سقط عن السطح وربما اصيبت رجله بكسر.
  • وهل سيلتئم الكسر إن اجتمعتم حوله، أم ستتركونه يتالم حتى يلفظ أنفاسه.
  • طلبنا الإسعاف.

قال الوالد الذي كان يسند راس ابنه المصاب على ركبته، فما كان من أبي علي إلا أن لوى عنقه معبرا عن ازدرائه:

  • ومنذ متى ننتظر الاسعاف.. حتى تسعفنا.. من يسمعكم تتحدثون عن الاسعاف يظنكم من سكان باريس، لا من سكان ام الطنافس.
  • ثم توجه إلى سحارة في داخلها بعض الأغراض فقلب الأغراض على الأرض وكسر السحارة ثم استخلص منها لوحين واتجه إلى المصاب:
  • ابتعدوا من حوله.. افسحوا لي المجال لكي اساعده.

جحظت عينا الوالد فتساءل:

  • وهل تفقه في هذا الأمر؟
  • طبعا.

أجاب أبو علي بثقة بالغة بالنفس وأردف وهو يشق قطعة قماش معلقة على حبل الغسيل إلى نصفين:

  • اربع سنوات ونصف في طرابلس الغرب مجبر عربي، المشفى الحكومي كانت تبعد مئة متر عن منزلي، ومع ذلك كان المكاسير ياتون إلي لكي اعالجهم، رغم أن الأطباء في المشفى كانوا أجانب.. الأطباء نفسهم كانوا يرسلون لي المرضى الذين يعجزون عن علاجهم.. من شمال أفريقيا كلها كانوا يقصدونني لكي أجبر لهم كسورهم.

كما في كل مرة قال أبو علي نصف الحقيقـة فهو كان فعلا في طرابلس الغرب، وكان هناك مشفى قريب من بيته، ولكنه لم يكن مجبرا عربيا، وانما كان يعمل في البناء.

  • آآآآآخ.

صرخ المصاب عندما رفع أبو علي رجله لكي يضع أحد اللوحين اللذين انتزعهما من السحارة تحتها، فما كان من أبي علي إلا أن وجه له صفعة اطارت له الشرر من عينيه وجعلت عيون الجميع تجحظ وتتبادل النظرات المستفسرة عن سبب هذا السلوك، وقد لاحظ أبو علي ذلك فتأبط الوالد واخذه جانبا وأسر له:

  • بهذه الطريقة نشغل المريض عن ألمه، يمكنك القول طب نفسي تقريبا، لا تقلق.

هز الوالد رأسه مقتنعا بكلام أبي علي الذي عاد إلى المصاب وتابع علاجه، موجها  له الصفعات التي كانت تشتد مع كل آخ يطلقها المصاب، ولم ينته أبو علي من لف القماش حول لوحي الخشب اللذين حاصر بهما رجل المريض حتى كان الشاب يشعر بالم في حنكيه يفوق الألم الذي يشعر به في رجله، بسبب الصفعات الشديدة التي كان يوجهها له أبو علي، وفي اللحظة التي ربط فيها أبو علي الضماد على رجل المريض حضرت سيارة الاسعاف ودخل الطبيب والممرض الذي يحمل  في يده حقيبة  وتوجها إلى المصاب فورا، وتساءل الطبيب:

  • من ضمد رجل المصاب؟

فأجابه الأب

  • أبو علي، مجبر عربي..
  • حرك أصابع رجلك.

طلب الطبيب من المصاب ففعل ذلك بسهولة واخذ الطبيب يفك له ضماد أبي علي عن رجله قائلا:

  • لا يوجد أي كسر في رجل الصبي… مجرد رض لا أكثر.. فليأت أحد معنا لأننا لن نجعله يبيت في المشفى، سنخرجه اليوم.

تلفت الجميع باحثين بأعينهم عن أبي علي لكي يروا ردة فعله على ما قاله الطبيب، ولكن أبا علي كان قد اختفى.

الأستاذ أمل، معلم المدرسة في أم الطنافس، اختلف منذ عدة ايام مع عديله وكاد الخلاف يتطور إلى شجار بالقبضات، لولا تواجد أهل الخير في المكان، والذين حالوا دون ذلك، فقد باع الرجلان قطعتي ارض ومصاغ زوجتيهما الأختين، وقطعا الطعام عن افواه أطفالهما لكي يتمكنا من شراء سيارة من نوع (ايج) روسية الصنع، وهي ارخص سيارة يمكن شراءها في سوق السيارات، لكي يعمل الاثنان عليها، الأستاذ أمل  مساءا بعد انتهاء الدوام الرسمي، وعديله في الصباح، وكان من المتوقع أن تساعد السيارة الأسرتين في تحسين الحالة المادية لهما لولا ظهور أبي علي في طريقهما، ففي أول يوم للأستاذ أمل خلف المقود،  وبينما كان عائدا إلى القرية صادف أبا علي الذي كان عائدا من مكان ما سيرا على الأقدام فتوقف ودعاه للصعود، وهذا ما فعله أبو علي بسرور.

وفي القرية توقفت السيارة عند منعطف ضيق لم يعرف الأستاذ أمل كيف يخرج منه، فنظر إليه أبو علي وعلى وجهه ابتسامة العارف:

  • جديد بالمصلحة؟
  • صدقت.. يمكن القول إنني اليوم اول مرة خلف المقود بمفردي.

اشار له أبو علي بقفا يده بحركة  فيها من الازدراء ماكان يكفي لإثارة غضب الأستاذ أمل، لو أنه لا يعرف أن خلف من قام بها نوايا طيبة، وأنه لا يقصد إهانته.

  • ترجل.

وبينما كانا يتبادلان الأمكنه قال أبو علي جملته المعهودة:

  • ماذا يقول المثل؟ أعط الخبز لخبازه حتى لو أكل نصفه.

ثم حرك ذراع علبة السرعة  وأخذ يشرح للأستاذ أمل  نظريا كيف يتصرف في مثل هذه المواقف، بعد ذلك ركز نظره على المنعطف وطلب من الأستاذ أمل أن يفعل مثله، ولكنه عندما رفع رجله عن الدبرياج قفزت السيارة قفزا إلى الخلف وارتطمت بجلمود صخر كان خلفها مما أحدث فجوة في الصندوق جعلت السيارة عاجزة عن الحركة لاحقا فاضطر الأستاذ أمل لقطرها بمساعدة سيارة أخرى.

أبو علي نظر حينها إلى الخلف وقد استغرب ما حدث وتساءل بعد أن ثاب إلى رشده:

  • كل السيارات في العالم الأنرييل فيها على اليمين وإلى الأمام، لماذا عندك بالعكس.. صناعة اين هذه السيارة؟
  • روسيا.

أجاب الأستاذ أمل وفي نفسه قنوط من هذه الحياة، فرد أبو علي منفعلا:

  • يا اخي منذ متى أصبح الروس يفهمون في السيارات، السيارات خلقت للألمان.. والألمان فقط، الروس دعهم لصناعة الدبابات والصواريخ، لماذا يعتدون على كار الألمان.

وتجبنا للاطالة يمكن القول إن أبا علي لم يترك بيتا  في القرية لم يتسبب فيه  بخراب ما، ومع ذلك فقد احتفظ بقدرته على الاقناع قبل كل حماقة يقدم عليها، ولم تتوقف حماقاته إلا بعد ذلك اللغم الذي عثر عليه احد الفلاحين صدفة في ارضه، والذي حاول أبو علي فكه أمام الجميع مدعيا أنه كان أثناء خدمته العسكرية مهندس الغام، وهو بالفعل كان في كتيبة لهندسة الألغام، ولكنه كان حاجبا عند أحد ضباط الكتيبة.

كان يسود صمت عميق عندما كان أبو علي يحاول فك الصاعق من اللغم، وهي عملية شاهدها اثناء خدمته العسكرية، وكان يتصبب منه عرق بارد وهو يفعل ذلك، وكان الحضور جميعا يختفون خلف تبة ترابية تحاشيا للاصابة في حال انفجار اللغم وهو ما طلبه أبو علي منهم قبل أن يبدأ، وكان أبو علي على وشك الانتهاء من فك الصاعق من فم اللغم عندما دوى صوت قوي تسبب به انفجار إطار سيارة كانت  تمر على الطريق قريبا من المكان، مما جعل أبو علي يفقد وعيه لهول المفاجأة، وعندما استيقظ من غيبوبته كان قد اصيب بلوثة في عقله حرمته لاحقا قدرته على الاقناع حين كانت تتولد لديه الرغبة بارتكاب حماقة ما من حماقاته المعتادة، فمنذ ذلك الانفجار المشؤوم وأبو علي لا يتوقف عن التلفت حوله بنظرات خائفة، وعند سماع أي صوت خلفه تراه يجفل واحيانا يقفز، ما كان يوحي لمحدثه بمشكلة ما في الوضع العقلي لأبي علي.

اقرأ:




مشاهدة 52